بأقلام الكُتّابمقالات وآراء

الرياضة الجامعية العربية.. الواقع والتحديات وآفاق المستقبل

المستشار نعمان عبد الغني
namanea@gmail.com

 

 

تُعدّ الرياضة الجامعية أحد المكونات الأساسية للمنظومة الرياضية الحديثة، لما تؤديه من دور في الجمع بين التحصيل الأكاديمي والتكوين البدني والنفسي والاجتماعي للطالب. فالجامعة لا ينبغي أن تكون فضاءً للتعليم والبحث العلمي فقط، بل يمكن أن تكون أيضًا بيئة لاكتشاف المواهب الرياضية وصقلها وإعدادها للانضمام إلى الأندية والمنتخبات الوطنية.

وفي الوطن العربي، تمتلك الرياضة الجامعية إمكانات بشرية كبيرة، بالنظر إلى العدد الهائل من الطلبة والشباب، إلا أن الاستفادة من هذه الطاقات ما تزال متفاوتة من دولة إلى أخرى، نتيجة اختلاف الإمكانات المالية والبنية التحتية، ومستوى التنظيم والتنسيق بين الجامعات والهيئات الرياضية.

أولًا: واقع الرياضة الجامعية العربية

تواجه الرياضة الجامعية العربية مجموعة من التحديات، من أبرزها:

1. ضعف البنية التحتية الرياضية:
تعاني بعض الجامعات من نقص الملاعب والقاعات والمسابح والتجهيزات الرياضية الحديثة، أو من عدم كفاية المنشآت الموجودة مقارنة بعدد الطلبة واحتياجات المنافسات ذات المستوى العالي.

2. محدودية التمويل:
يمثل التمويل أحد أبرز التحديات، إذ تحتاج الرياضة الجامعية إلى موازنات واضحة ومستدامة لتغطية تكاليف التدريب، والتجهيز، والتنقل، والتأمين، وتنظيم المنافسات، والمشاركة في البطولات الوطنية والعربية والدولية.

3. ضعف قاعدة الممارسة الرياضية:
لا تزال الممارسة الرياضية في بعض الجامعات محدودة أو موسمية، في حين أن المطلوب هو تحويل الرياضة الجامعية إلى نشاط مستدام ومتاح لأكبر عدد ممكن من الطلبة، وليس الاقتصار على الرياضيين المنتمين إلى الفرق الجامعية أو طلبة علوم وتقنيات النشاطات البدنية والرياضية.

4. صعوبة التوفيق بين الدراسة والرياضة:
يواجه الطالب الرياضي تحديًا حقيقيًا في الجمع بين المتطلبات الأكاديمية والتدريب والمنافسات، وهو ما يستدعي اعتماد أنظمة مرنة تراعي خصوصية الطالب الرياضي وتساعده على تحقيق التوازن بين التفوق الدراسي والرياضي.

5. ضعف التنسيق المؤسسي:
تحتاج الرياضة الجامعية إلى مزيد من التنسيق بين وزارات التعليم العالي، ووزارات الشباب والرياضة، والجامعات، والاتحادات الرياضية، والاتحادات الجامعية الوطنية والعربية، بما يسمح باكتشاف المواهب ومتابعتها وتطوير مسارها الرياضي والأكاديمي.

وفي هذا السياق، يضطلع الاتحاد العربي للرياضة الجامعية بدور مهم في دعم الرياضة الجامعية العربية، وتتمثل رؤيته المعلنة في أن يكون من أفضل الاتحادات الإقليمية في دعم الرياضة الجامعية عالميًا، مع التركيز على الحوكمة والاستدامة والريادة والتمكين والإبداع.

ثانيًا: الرياضة الجامعية… خزان للمواهب الرياضية

تمثل الجامعات قاعدة مهمة لاكتشاف المواهب، خصوصًا في الألعاب الفردية والجماعية، ويمكن أن تتحول إلى حلقة وصل استراتيجية بين الرياضة المدرسية والأندية والمنتخبات الوطنية.

ومن هنا، فإن تطوير الرياضة الجامعية لا ينبغي أن يكون هدفه تنظيم البطولات فقط، وإنما بناء مسار متكامل للطالب الرياضي يبدأ من اكتشاف الموهبة، ثم توفير التدريب المتخصص والرعاية الطبية والتغذية الرياضية والدعم النفسي، وصولًا إلى المنافسة على المستوى الوطني والدولي.

وتؤكد التجربة الدولية أهمية الاتحادات الجامعية الوطنية في هذا المجال؛ إذ تعتبرها FISU حلقة الوصل بين الدول والاتحاد الدولي، وتتولى مهام اختيار الرياضيين والوفود، وتنظيم المشاركة في الألعاب والبطولات الجامعية العالمية، إضافة إلى المساهمة في استضافة الأحداث الرياضية الدولية.

ثالثًا: المشاركات العربية في الألعاب الجامعية العالمية

تحرص العديد من الدول العربية على المشاركة في ألعاب FISU العالمية الجامعية، التي تجمع نخبة من الطلبة الرياضيين من مختلف دول العالم.

وتبرز الجزائر، ومصر، والمملكة العربية السعودية، والمغرب، وتونس، والإمارات العربية المتحدة، وغيرها من الدول العربية، بدرجات متفاوتة في المشاركة الجامعية الدولية، مع اختلاف مستوى النتائج بحسب الرياضة والدورة وحجم المشاركة.

ومن المهم هنا تصحيح بعض الأرقام المتداولة بشأن مشاركة الجزائر. فقد احتلت الجزائر المرتبة 39 عالميًا في دورة تشنغدو 2021، التي أُقيمت فعليًا في الصين خلال الفترة من 28 يوليو إلى 8 أغسطس 2023، مع الإبقاء على تسمية الدورة «تشنغدو 2021» بسبب تأجيلها نتيجة جائحة كوفيد-19. وحققت الجزائر في هذه الدورة ميدالية فضية وثلاث ميداليات برونزية، وفق البيانات المنشورة حول مشاركتها.

وتكشف هذه المشاركة عن قدرة الرياضة الجامعية الجزائرية على تحقيق نتائج دولية، لكنها في الوقت نفسه تطرح سؤالًا أوسع حول كيفية تحويل الإنجازات الفردية إلى منظومة مستدامة لاكتشاف المواهب وتكوين الأبطال.

رابعًا: التجربة المصرية ومؤشرات التطور

تُعد مصر من الدول العربية التي تمتلك تجربة واسعة في تنظيم وممارسة الرياضة الجامعية، كما أن لديها حضورًا في تنظيم واستضافة المنافسات الجامعية الدولية.

ومن الأمثلة الحديثة على ذلك استضافة مصر لبطولة FISU العالمية الجامعية للسباحة بالزعانف في شرم الشيخ سنة 2026، بالتعاون بين الاتحاد المصري للرياضة الجامعية والاتحاد المصري للغوص والإنقاذ وتحت إشراف FISU. وقد أعلنت FISU أن البطولة كانت مقررة في شرم الشيخ، مع تحديث لاحق يفيد بتأجيلها إلى موعد آخر.

كما تظهر مشاركة الجامعات المصرية في المنافسات الدولية للسباحة بالزعانف؛ فقد تضمنت نتائج بطولة FISU الجامعية للسباحة بالزعانف لعام 2022 مشاركة رياضيين من جامعات مصرية، من بينها جامعة الإسكندرية وجامعة حلوان.

وتؤكد هذه التجربة أهمية استضافة البطولات الدولية في تطوير الخبرات التنظيمية ورفع مستوى البنية التحتية وتعزيز حضور الجامعة العربية في الخريطة الرياضية الدولية.

خامسًا: من المنافسة إلى صناعة الأبطال

إذا كانت الرياضة الجامعية العربية تسعى إلى تحقيق نقلة نوعية، فإن المطلوب هو الانتقال من مفهوم تنظيم البطولات إلى مفهوم صناعة الرياضي الجامعي.

ويتحقق ذلك من خلال:

– إنشاء قاعدة بيانات وطنية للطلبة الرياضيين والمواهب الجامعية.
– اعتماد برامج لاكتشاف المواهب داخل الجامعات ومتابعتها علميًا وبدنيًا.
– توفير منح ودعم مالي وأكاديمي للرياضيين المتفوقين.
– توفير أوقات دراسية مرنة للطلبة المشاركين في المنافسات عالية المستوى.
– تطوير الطب الرياضي والتغذية والدعم النفسي للطالب الرياضي.
– ربط الجامعات بالأندية والاتحادات الرياضية والمنتخبات الوطنية.
– إنشاء مراكز جامعية متخصصة لتكوين الرياضيين والمدربين والحكام والإداريين.
– توسيع قاعدة الممارسة الرياضية لتشمل مختلف التخصصات والكليات.

سادسًا: الحوكمة والرقمنة

أصبحت الحوكمة عنصرًا أساسيًا في تطوير المؤسسات الرياضية، ولذلك تحتاج الرياضة الجامعية العربية إلى اعتماد معايير أكثر وضوحًا في الإدارة والتمويل والمساءلة وتقييم الأداء.

كما يمكن للرقمنة أن تؤدي دورًا مهمًا في إنشاء منصات موحدة لتسجيل الطلبة الرياضيين، وإدارة البطولات، وحفظ النتائج والإحصائيات، ومتابعة تطور مستوى الرياضيين.

ويمكن كذلك الاستفادة من الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الرياضية في اكتشاف المواهب وتقييم الأداء البدني والفني، مع ضرورة احترام الخصوصية وحماية البيانات الشخصية للطلبة.

ويتوافق هذا التوجه مع القيم التي يعلنها الاتحاد العربي للرياضة الجامعية، والتي تشمل الحوكمة والاستدامة والريادة والتمكين والإبداع.

سابعًا: الرياضة الإلكترونية والجامعات العربية

لا يمكن تجاهل التحولات الجديدة في اهتمامات الشباب، ومن بينها الرياضات الإلكترونية، التي أصبحت جزءًا من المشهد الرياضي العالمي.

ويمكن للجامعات العربية أن تتعامل معها بصورة مدروسة، ليس على حساب الرياضات التقليدية، وإنما باعتبارها مجالًا جديدًا يمكن أن يستقطب فئات واسعة من الطلبة، مع الاهتمام بالتوازن بين النشاط الرقمي والنشاط البدني والصحة النفسية والاجتماعية.

ثامنًا: نحو شراكة عربية لصناعة البطل الجامعي

إن تطوير الرياضة الجامعية العربية يتطلب شراكة حقيقية بين:

وزارات التعليم العالي + وزارات الشباب والرياضة + الجامعات + الاتحادات الرياضية + الاتحادات الجامعية الوطنية والعربية + القطاع الخاص.

وهذه الشراكة يجب أن تقوم على برامج طويلة المدى، وليس على مبادرات ظرفية مرتبطة بموعد بطولة معينة.

كما أن الاتحاد العربي للرياضة الجامعية يمكن أن يؤدي دورًا أكبر في توحيد الرؤى، وتبادل الخبرات، وتنظيم البطولات العربية، وتطوير البرامج التدريبية والإدارية، وتعزيز التعاون بين الجامعات العربية. ويضم الاتحاد عددًا من الدول العربية الأعضاء، من بينها الجزائر ومصر والمملكة العربية السعودية والمغرب والأردن والعراق وتونس وغيرها.

تاسعًا: آفاق مستقبلية واعدة

رغم التحديات، فإن مستقبل الرياضة الجامعية العربية يحمل فرصًا كبيرة، خصوصًا في ظل ارتفاع عدد الشباب والطلبة، وتطور البنية التحتية في عدد من الدول العربية، وزيادة الاهتمام باستضافة المنافسات الرياضية الدولية.

ومن أبرز الأولويات المستقبلية:

1. وضع استراتيجية عربية موحدة لتطوير الرياضة الجامعية.
2. إنشاء نظام عربي موحد لإحصائيات ونتائج الرياضيين الجامعيين.
3. دعم الجامعات التي تمتلك مشاريع حقيقية لاكتشاف المواهب.
4. تطوير المنشآت الرياضية الجامعية وفق معايير دولية.
5. توفير منح للرياضيين الجامعيين المتميزين.
6. تعزيز مشاركة المرأة في الرياضة الجامعية.
7. توسيع المشاركة العربية في بطولات FISU.
8. تطوير برامج التكوين في الإدارة الرياضية والتحكيم والتدريب.
9. استقطاب الاستثمار والرعاية الخاصة للرياضة الجامعية.
10. جعل الرياضة جزءًا من نمط الحياة الجامعية اليومية، وليس مجرد نشاط تنافسي موسمي.

إن الرياضة الجامعية العربية تقف اليوم أمام فرصة تاريخية للانتقال من مرحلة المشاركة وتنظيم المنافسات إلى مرحلة بناء منظومة متكاملة لصناعة الرياضي والطالب والإنسان.

فالجامعة يمكن أن تكون مدرسة حقيقية للأبطال، ليس فقط من خلال الملاعب والقاعات الرياضية، وإنما من خلال الجمع بين العلم والرياضة والتكنولوجيا والتكوين النفسي والاجتماعي.

ومن ثم، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في عدد البطولات التي تنظمها الجامعات العربية، وإنما في قدرتها على بناء مسار مستدام للطالب الرياضي، يضمن له التفوق الأكاديمي والرياضي معًا، ويجعل من الجامعة رافدًا حقيقيًا للمنتخبات الوطنية والأندية والرياضة العربية والدولية.

إن الاستثمار في الرياضة الجامعية هو في جوهره استثمار في الإنسان والشباب والمستقبل، ولذلك فإن تطويرها يجب أن يكون خيارًا استراتيجيًا في السياسات الرياضية والتعليمية العربية، وليس مجرد نشاط موازٍ للحياة الجامعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى