بأقلام الكُتّابمقالات وآراء

أمانة النشء وحرمة السمت.. الفضاء الرقمي بين الحرية والمسؤولية

سالم بن حمدان السيفي

 

 

​إن الأخلاق ليست مجرد أطُرٍ تنظيمية نلتجئ إليها عند الحاجة، بل هي جوهر الوجود الإنساني والدرع الذي يحمي المجتمع من التآكل الداخلي؛ وما الهوية والسمت إلا البوصلة التي تحافظ على توازن الشعوب في مواجهة رياح العولمة الجارفة.
فالأمم لا تنهار عند سقوط حدودها الجغرافية فحسب، بل تبدأ بالانهيار الفعلي عندما تتآكل حدودها الأخلاقية وتضيع ملامح سمتها الذي ارتضته لنفسها عبر القرون.

و​يمرّ المجتمع العماني عبر تاريخه بتماسٍ حضاريّ وإنسانيّ واسع، لكنه ظلّ عصيّاً على الذوبان، محافظاً على السمت العماني الأصيل الذي يُعدّ ركيزةً من ركائز الهوية الوطنية وميثاقاً يضبط السلوك العام ويُعلي من قيم الحياء والاحترام والترابط الأسري.

ومع اجتياح المنصات الرقمية الحديثة بات هذا السمت أمانةً تحت الاختبار، بعد أن تسللت إلى بعض البثوث المباشرة سلوكيات وألفاظ تُشكل خروجاً صارخاً عن العرف العام والذوق السليم.

فقد انحرف ما يشهده المتابع لبعض هذه البثوث من صناعة المحتوى والتواصل الاجتماعي إلى المتاجرة بالحياء واستخدام الألفاظ الخادشة لاستفزاز الجمهور، وابتذال الكرامة عبر خوض تحديات مهينة تستخف بقيمة الإنسان لقاء هدايا رقمية عابرة، فضلاً عن تقديم نماذج ضاحلة تُوهم الشباب بأن طريق الشهرة والمال السريع يتطلب التخلي عن المبادئ، مما يشكل وباءً أخلاقياً سريع العدوى يُطبّع الرذيلة ويجعل المستهجن مقبولاً بالاعتياد.

​يحتجّ البعض بأن ما يمارسه الفرد في مساحته الرقمية يدخل ضمن نطاق الحرية الشخصية، وهي مغالطة منطقية وتفكيك أخلاقي خطير، لأن البث المباشر يتجاوز حدود الغرفة المغلقة ليدخل الفضاء العام كل بيت ليصل إلى عقول الأطفال والقاصرين، والحرية تنتهي تماماً عندما تبدأ في التعدي على البيئة الأخلاقية للمجتمع.

إن المجتمع المتماسك لا يترك معاييره للعبث الفردي، فحماية الأخلاق العامة ضرورة لحفظ النسيج الاجتماعي تماماً كحماية الممتلكات والسكينة العامة، فضلاً عن أن اعتقاد البعض بأن باب الشهرة يبيح المحظور، ماهو إلا انحراف فكري يهوي بالسقف الأخلاقي نحو القاع. وينعكس الخطر الأكبر لهذه الظاهرة مباشرة على الأطفال والمراهقين الذين يمثلون الشريحة الأكثر تأثراً، حيث تتزيف لديهم مفاهيم النجاح والإنجاز لترتبط بالإثارة بدلاً من العلم والعمل الجاد، وتنخفض لديهم الحساسية الأخلاقية جراء التعرض المستمر للشتائم والكلمات الخادشة حتى تتسلل إلى لسانهم اليومي، فضلاً عن التنفير من السمت العماني وإظهار القيم الأصيلة وكأنها قيم تقييدية مقابل إغراءات السلوك المنفلت.

​ولم تكن السلطنة لتكون بدعاً في مواجهة هذا التهديد الفكري والأخلاقي، بل إن العالم اليوم يدرك حجم الخطر الناجم عن غياب الرقابة على هذه التطبيقات.

فقد استشعرت عدة دول منطق الخطر بوعي مبكر واتخذت قرارات حاسمة لحماية بيئتها الأسرية والاجتماعية؛ حيث قامت جمهورية قيرغيزستان بحظر التطبيق كلياً لحماية التطور الروحي والبدني والأخلاقي للأطفال، ومنع المحتوى الذي يؤثر سلباً على سلامتهم النفسية، وفرضت الهند حظراً شاملاً ودائماً على المنصة استناداً إلى مخاطرها السيادية والاجتماعية ومدى تأثيرها على سلوكيات الشباب والنشء، بينما سارعت استراليا ودول أخرى إلى فرض تشريعات صارمة تحظر استخدام منصات التواصل الاجتماعي وفي مقدمتها “تيك توك” على الأطفال واليافعين دون سن السادسة عشرة للحد من الآثار النفسية والسلوكية الخطيرة التي تحيط بالجيل الجديد.

​إن حماية نشئنا وصيانة سمتنا لا تحتمل الوقوف في منطقة الحياد أو الاكتفاء بالاستنكار الشفهي، بل تتطلب تطبيقا حازماً للقوانين المعنية بمكافحة جرائم تقنية المعلومات والآداب العامة، والملاحقة القانونية لكل من يستخدم هذه المنصات لنشر الابتذال أو التلفظ بما يخالف الحياء، لتكون العقوبات الرادعة رسالة حاسمة بأن القانون يقف بالمرصاد لكل من يظن أن الفضاء الرقمي ساحة بلا حسيب.
يرافق ذلك دور الأسرة كخط دفاع أول عبر الرقابة الواعية وتوجيه الأبناء، ودور الإعلام وصنّاع المحتوى في تقديم بدائل ملهمة وتعزيز النماذج العمانية المشرّفة.

وختاماً .. إن السمت العماني لم يكن يوماً مجرد شكل خارجي، بل هو جوهر من الحياء والأخلاق والأنفة، والتساهل مع السلوكيات الخادشة على منصات التواصل تحت أي مسمى هو تفريط في هذا الموروث العظيم. لقد حان الوقت لتقف الأسرة والمؤسسات والمجتمع صفاً واحداً، بالوعي والقانون، لنرسل رسالة واضحة لكل من ضلّ الطريق بأن هويتنا وسمتنا خط أحمر، ونشؤنا أمانة لن نتركها لطوفان الابتذال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى