بأقلام الكُتّابمقالات وآراء

عتبات التفكك الأسري : قراءة تحليلية في أسباب ارتفاع معدلات الطلاق وظاهرة العنوسة في سلطنة عُمان

سالم بن حمدان السيفي

 

 

حين يعجز الإنسان عن بناء وطنه الصغير الذي يُفترض أن يكون ملاذاً للسكينة، تتهاوى خلفه أوطان الأسئلة الكبرى.

وإن أزمة تفكك الروابط ليست سوى مرآة لانكسار داخلي يعصف بالمجتمعات المعاصرة حين تُستبدل مقدسات الوجود بملهيات الاستهلاك، وحين يُترك العقل والوجدان غنيمة لعولمة جارفة تقيس كل عاطفة بميزان المنفعة، ليقف الإنسان عاجزاً أمام حتمية الاختيار بين أصالة الجذور ورياح الحداثة العابرة.

وحين ​تتكدس الأرقام لتشكل جداراً من القلق المتبوع بالذهول، فحين تُسجل التقارير الرسمية في سلطنة عمان تجاوز حالات الطلاق حاجز أربعة آلاف ومئتين وثماني حالات في العام الماضي، لا تعود هذه الأرقام مجرد إحصائيات عابرة في دفاتر المحاكم، بل تتحول إلى شواهد مأساوية على زلزال صمت يضرب أركان المجتمع.

هذا الرقم المهول يفتح الباب واسعاً أمام أسئلة وجودية حارقة حول دوافع القفزات التصاعدية التي باتت تؤرق كل عقل حريص على استقرار النسيج المجتمعي، وتدفع للبحث في الأسباب الكامنة وراء تحول الزواج من ميثاق غليظ وسكن روحي إلى هاجس مخيف ينفر منه الشباب.

​تتوزع مواضع الخلل بين انحرافات الفكر وسطوة السلوكيات الفردية الهشة. فحين يسقط الاختيار في فخ المظهرية والتعجل، تفقد مؤسسة الزواج مناعتها الأخلاقية والنفسية.

ولم يعد الخلل محصوراً في غياب التكافؤ فحسب، بل امتد ليتأثر بعولمة الفكر ووسائل التواصل الاجتماعي التي أفرزت ثقافة المقارنات الوهمية وصنعت نماذج استهلاكية زائفة، فغدا الزواج عند البعض كمالية برّاقة تُدار بمنطق العقود التجارية المؤقتة لا بروابط المودة والرحمة، مما يجعله هشاً ينهار بأول عصف معيشي أو ضغط نفسي.

​وتأسيساً على هذا التشخيص التحليلي، واستكمالاً للجهود التوعوية الساعية لترميم الصدع القيمي، فقد سبق لي أن تناولت هذا الموضوع في مقال تفصيلي نشر بتاريخ 13 يوليو 2026 تحت عنوان التوجيه التجاري وأوهام الصورة المبرقشة،”بصحيفة شؤون وطنية”؛ حيث وضعت فيه جملة من المقترحات والحلول التي تستهدف مواجهة تزييف الوعي الاجتماعي، وألحق هذا المقال الحالي ليكون امتداداً فكرياً يربط بين الرؤية التشخيصية والتداعيات الواقعية التي باتت تفرضها لغة الأرقام.

​في قلب هذا المشهد المأزوم، يبرز الطلاق الصامت كوجه أشد قسوة وأعظم إيلاماً من الانفصال الفعلي.

إنه العيش تحت سقف واحد في صحراء من الجفاء العاطفي والخرس الزوجي، حيث يتحول الشريكان إلى غريبين تجمعهما الجدران وتفصل بينهما المسافات الروحية، لتصبح البيئة المنزلية حاضنة خفية للاضطرابات النفسية التي تلقي بظلالها المدمرة على الأبناء وتفرغ البيت من محتواه الإنساني.

و​لا تكفُّ الظواهر عن التناسل، فتطل ظاهرة تأخر الزواج والعنوسة برأسها لتكشف عن مفارقة بالغة المرونة والصعوبة، حيث تقف شريحة واسعة ممن تجاوزوا سن الأربعين من أصحاب الشهادات العليا والمؤهلات الأكاديمية وغيرهم، عاجزين عن بناء أسرهم الخاصة.

هذا التعطل الاجتماعي يعكس فجوة عميقة بين الوفرة المعرفية والنضوج المجتمعي، ويزيد من تعقيداتها لجوء البعض إلى إعلانات الخطابات عبر منصات التواصل في مشهد يخلو من الاعتبارات الإنسانية العميقة، محولاً رحلة الارتباط إلى سلعة معروضة في سوق الافتراض.

​تتجسد أمام هذه التداعيات حالات واقعية تستدعي التأمل والتوقف العميق عند مآلاتها، مثل قصة شاب تخرج بتفوق وأمضى سنوات عمره يكد في بناء مستقبله الوظيفي، ليفاجأ بأن شروط الارتباط المبالغ فيها وطلبات المهور الباهظة قد أغلقت دونه الأبواب حتى أدركه السير وحيداً، أو قصة زوجة تحمل شهادة عليا وتعيش طلاقاً صامتاً مع زوج مشغول بملهيات العولمة الرقمية، بينما يكتوي الأطفال بنار هذا التشتت الصامت. إن استمرار هذا التصدع يطرح السؤال الموجع عن ذنب الأطفال الذين يدفعون ثمن قرارات متسرعة وبيئة أسرية ممزقة.

فكيف ​تتحمل الأجيال السابقة واللاحقة مسؤولية مشتركة تبدأ من تعسف الآباء في وضع الشروط المعجزة وغلاء المهور؟ ، ولا تنتهي عند غياب الوعي الحقيقي بأسس الارتباط السليم التي تقوم على التكافؤ الفكري والنفسي وتحديد السن المناسب المقرون بالنضوج الفعلي للتحمل لا بالرقم العُمري وحده. كما أن غياب دور المشرع في ابتكار حلول استباقية وإلزامية للإرشاد الأسري يترك الحبل على الغارب.

​إن معضلة الطلاق اليوم لا يمكن حلها بيد مكاتب المحاماة ولا دكاكين الاستشارات الأسرية، كما أنها لا تتحول إلى مادة للشهرة أو إقامة حفلات طلاق مستندة إلى فكر نسوي مقيت ودخيل على أعراف وقيم المجتمع، بل هي مشكلة جذرية تحتاج إلى حلول ناجعة غير قابلة للتراخي أو الاستعطاف.

وختاماً،، ​إن التغاضي عن هذه المؤشرات اليوم ينذر بمستقبل قاتم تشهده السنوات القادمة، حيث سيتعامل المجتمع مع أجيال تعاني من تصدع الهوية واهتزاز الثقة في الروابط المقدسة.

وعليه، فإن الإنقاذ الحقيقي يبدأ بإعادة صياغة العقد الاجتماعي والأخلاقي، وتخليص الأسرة من براثن التبعية الفكرية الاستهلاكية، ليعود الزواج إلى مكانته الحصينة بوصفه نواة البناء وسر استقرار الوطن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى