بأقلام الكُتّابمقالات وآراء

المسرّحون عن العمل.. لماذا نصل دائمًا بعد وقوع الأزمة ؟!

بدر بن محفوظ القاسمي

 

 

أعاد الكاتب سالم بن حمدان السيفي في مقاله «قراءة في أزمات الباحثين والتسريح الوظيفي وتغول العمالة الوافدة» الذي نشر هنا في صحيفة أصــداء؛ أعاد فتح واحد من أكثر الملفات الاجتماعية والاقتصادية حساسية؛ ملف الباحثين عن عمل والمسرحين، وما يتبعه من آثار تتجاوز فقد الوظيفة إلى الأسرة والديون والاستقرار النفسي والاجتماعي.

وهي قراءة أتفق مع كثير من دوافعها الإنسانية، كما أن الحلول التي طرحها تستحق النظر.
غير أنني أعتقد أن هذا الملف طُرق كثيراً ونوقش طويلًا من الزاوية ذاتها، حتى أصبحنا ـ ربما دون أن نشعر ـ أكثر براعة في الحديث عن الإنسان بعد أن يُسرّح، وأقل انشغالًا بالسؤال الأصعب: لماذا سمحنا أصلًا بأن يصل إلى تلك اللحظة ؟!.

فالمشكلة، في تقديري، ليست في وجود مسرّحين وباحثين عن عمل فحسب، وإنما في دورة اقتصادية ووظيفية وثقافية تحتاج إلى مراجعة أعمق؛ تبدأ قبل اختيار التخصص الجامعي، وتمر بعلاقة العامل بالمؤسسة، وتنتهي بالطريقة التي تتعامل بها المنظومة مع تعثر الشركات وفقدان الوظائف.

قبل أن يصبح موظفًا «مسرّحًا»..

حين تتعثر مؤسسة ويبدأ راتب موظفيها بالتأخر شهرًا ثم شهرين وثلاثة، فإننا لسنا أمام خلاف عمالي عابر، بل أمام جرس إنذار اقتصادي مبكر.

تأخر الأجر ينبغي ألا يكون شأنًا بين العامل وصاحب العمل حتى تتراكم الرواتب وتصل القضية إلى المحاكم؛ بل مؤشرًا يستدعي التدخل المبكر لمعرفة صحة المنشأة وقدرتها على الاستمرار، ووضع الخيارات قبل أن يقع الانهيار.

لدينا اليوم من التحول الرقمي والربط المؤسسي ما يسمح ببناء منظومة تستطيع قراءة هذه الإشارات مبكرًا. فلماذا ننتظر سقوط الموظف ثم نبحث له عن شبكة أمان؟

الأجدى أن نمتلك نظام إنذار وظيفي مبكر يستطيع استشعار الخطر قبل أن يتحول مئات العاملين إلى مسرّحين. وهنا يتغير مفهوم الأمان الوظيفي نفسه؛ من تعويض يأتي بعد فقد الوظيفة، إلى منظومة تحاول منع فقدها ابتداءً.

من يتحمل ثمن فشل المؤسسة ؟..

وهناك سؤال أراه ضروريًا في هذا النقاش: إذا أخفقت إدارة مؤسسة أو تعثر مالكها، لماذا يكون الموظف أول من يدفع الثمن؟.

رأس المال يعرف المخاطرة، والمستثمر يدخل السوق وهو يدرك احتمالات الربح والخسارة، لكن العامل لم يدخل شريكًا في المخاطرة؛ دخل مقابل جهد ووقت وخبرة وراتب يبني عليه حياة أسرة بأكملها. لذلك لا ينبغي أن يتحول تعثر رأس المال تلقائيًا إلى تعثر اجتماعي تحمله الأسرة.

نحن بحاجة إلى إعادة توزيع مخاطر التعثر بعدالة، بحيث لا يكون الموظف دائمًا أضعف حلقات السلسلة الاقتصادية. وهذا يستدعي تفكيرًا جديًا في صناديق تأمين إجبارية ضد البطالة، لا كإعانة خيرية، بل كحق تأميني يدفع فيه العامل والمشغل مساهمات شهرية، فإذا وقع التسريح حصل الموظف على بدل يمنحه “وقت تنفس” للبحث عن فرصة مناسبة بدلاً من قبول أي عمل بأي أجر، أو الانهيار تحت وطأة الديون.

لا نريد «تعمين الوظيفة» فقط..

كثير من النقاش حول سوق العمل ينتهي عند أعداد الوظائف ونسب التعمين. لكن السؤال الذي ينبغي أن نذهب إليه أبعد هو: ماذا نُعمّن ؟.

هل يكفينا أن يشغل العماني وظيفة، بينما تبقى المعرفة والإدارة والقرار والعائد الأعلى في مكان آخر ؟ أعتقد أننا بحاجة إلى الانتقال من مفهوم تعمين الوظائف إلى تعمين القيمة؛ أي أن يمتلك المواطن نصيبه من المعرفة والخبرة والإدارة وسلاسل الإنتاج والفرص الاقتصادية الأعلى قيمة. فالغاية ليست استبدال عامل بعامل، وإنما بناء قدرة وطنية تستطيع بمرور الزمن إدارة النشاط وإنتاجه وتطويره.

لكن هذا الانتقال يصطدم بسؤال لم نُجب عليه بعد : لماذا تُفضّل المؤسسة العمالة الوافدة ؟.
ليس فقط لأنها “أرقام زائدة”، بل لأنها أرخص وأكثر مرونة، ولا تتراكم عليها التزامات طويلة الأمد. فالمواطن يكلف المؤسسة أكثر ليس لأنه أقل كفاءة، بل لأن النظام يجعل تكلفته أعلى دون أن يُقابل ذلك بقيمة مضافة محمية.
الحل إذن ليس إجبارًا إداريًا فحسب، بل إعادة هيكلة تكلفة العمالة الوافدة (تأمين إلزامي، رسوم إضافية، حقوق مساوية) حتى تصبح تكلفة المواطن والوافد متقاربة، فيصبح التعمين اختيارًا اقتصاديًا عقلانيًا.

المسرّح ليس باحثًا عن عمل من نقطة الصفر..

وهذه واحدة من المسائل التي أرى أنها تحتاج إلى مراجعة. من أمضى عشرين عامًا في مؤسسة ثم فقد وظيفته ليس كخريج يبحث عن أول فرصة في حياته. كلاهما يستحق الفرصة، ولكن لكل منهما احتياج مختلف.

المسرّح يحمل سنوات من المعرفة والتجربة والعلاقات المهنية، وقد يكون في الخامسة والأربعين أو الخمسين من عمره، ثم يجد نفسه فجأة ينافس على وظيفة جديدة ضمن سوق يميل بطبيعته إلى الموظف الأصغر سناً والأقل تكلفة، وهنا نخسر مرتين : نخسر الوظيفة، ثم نخسر الخبرة الوطنية المتراكمة.

لماذا لا يكون لدينا مسار مستقل لإعادة توظيف أصحاب الخبرات ؟.
ولماذا لا تمنح المؤسسات حوافز لاستقطاب المسرحين ذوي الخبرة والاستفادة منهم في الإدارة والإشراف والتدريب ونقل المعرفة إلى الأجيال الأصغر ؟.
العمر لا ينبغي أن يتحول إلى عقوبة اقتصادية. فالسنوات التي يراها البعض عبئًا في كلفة الموظف قد تكون، إذا أحسن استثمارها، رأس مال معرفيًا لا يُشترى بسهولة.

ريادة الأعمال ليست وصفة للجميع..

كثيرًا ما نقول للمسرّح أو الباحث عن عمل : اتجه إلى العمل الحر، افتح مشروعًا، اصنع وظيفتك بنفسك.
وهي أفكار جميلة، لكنها ليست علاجًا عامًا. ليس كل إنسان رائد أعمال، كما أن فقد الوظيفة لا يمنح الإنسان فجأة القدرة على إدارة مؤسسة والمخاطرة برأس المال والتعامل مع السوق. بل قد نحول إنسانًا خرج لتوه من أزمة راتب إلى أزمة قرض ومشروع متعثر.

ريادة الأعمال فرصة لمن يملك فكرتها واستعدادها، وليست باب خروج نتخلص عبره من مسؤولية إيجاد سوق عمل متوازن.

هل يكفي أن نقول : وظّفنا؟..

هناك أيضًا مشكلة في الطريقة التي نقيس بها النجاح. حين نقول إن آلاف المواطنين حصلوا على وظائف، فهذا رقم مهم، لكنه لا يخبرنا بالقصة كاملة.
أين أصبح هؤلاء بعد سنة ؟
كم واحدًا منهم بقي في وظيفته ؟
كم تحسن دخله ؟
كم واحدًا عاد باحثًا عن عمل ؟
وكم وظيفة كانت مجرد محطة قصيرة قبل تسريح جديد ؟.

ربما آن الأوان أن نضيف إلى مؤشرات سوق العمل مؤشرًا لاستدامة توظيف العماني؛ فلا نقيس عدد الذين دخلوا الوظائف فقط، بل قدرتهم على البقاء والتطور والاستقرار فيها. لأن النجاح الحقيقي ليس في صناعة عقد عمل؛ بل في صناعة مسار مهني.

الملف أكبر من وزارة واحدة..

وأعتقد أن من غير المنصف أيضًا تحميل وزارة العمل وحدها كامل هذا العبء. فالتسريح قد يبدأ من تعثر اقتصادي، أو فقدان عقد، أو سوء إدارة، أو تغير تقني، أو خلل في التمويل. لذلك فإن ملف التشغيل والاستقرار الوظيفي ليس ملف وزارة واحدة؛ بل هو ملف اقتصادي ومالي واجتماعي في الوقت نفسه.

ونحن بحاجة إلى منظومة وطنية تقرأ حركة سوق العمل قبل وقوع أزماته، وتربط البيانات الاقتصادية والمالية والوظيفية والحماية الاجتماعية في صورة واحدة.
فإذا كانت هناك مؤسسة كبيرة تتجه إلى التعثر، ينبغي أن نعرف قبل أن تسقط. وإذا كان قطاع كامل يتجه إلى الانكماش، ينبغي أن نعيد تأهيل العاملين قبل أن يفقدوا وظائفهم. وإذا كانت مهنة ستختفي بفعل التقنية، فمن الحكمة أن نُعد أبناءنا للانتقال منها قبل أن يصبحوا ضحايا تحول كان بالإمكان توقعه.

ما لم يُقل بعد : الوصمة، والمرأة، والجغرافيا..

لكنني أريد أن أذهب إلى ما يتجاوز البنية الاقتصادية، إلى البنية الاجتماعية والثقافية نفسها.

في مجتمعنا، الوظيفة ليست مجرد دخل؛ هي هوية اجتماعية ومكانة ومؤشر نجاح؛ فقدانها لا يعني فقط فقدان الراتب، بل تحول سؤال “وين يشتغل؟” من تعارف إلى موقف محرج. والصمت حول التسريح (عدم إخبار الأقارب والأصدقاء) يزيد العبء النفسي. نحتاج إلى ثقافة مجتمعية تفكك ربط “الكرامة” بالوظيفة فقط، ونظام دعم نفسي مجاني لا يُعرّف المسرّح بـ”المتعثر” بل بـ”المواطن في مرحلة انتقالية”.

كما أن الملف لا يمكن أن يكون ذكوريًا بالكامل. نسبة البطالة بين النساء في عمان أعلى بكثير من الرجال، والمرأة المسرّحة تواجه ضغوطًا اجتماعية مختلفة وصعوبات في التنقل في بعض المحافظات؛ أي سياسة تشغيلية لا تأخذ المرأة بعين الاعتبار هي سياسة ناقصة.

وعمان ليست مسقط وصحار فقط؛ الفرص مركزة جغرافيًا، ومحافظات مثل الظاهرة والداخلية ومسندم تعاني من بطالة أعلى وخيارات أقل.
نحتاج إلى سياسة تشغيل إقليمية، لا وطنية موحسة: حوافز ضريبية للمؤسسات في المحافظات النائية، وبرامج “العمل عن بُعد” التي تسمح للمواطن في الداخلية بالعمل لشركة في مسقط دون الانتقال.

الجامعات .. هل تُعِدّ للسوق أم للبطالة ؟..

أيضًا، لا يمكن أن نتحدث عن التسريح دون أن نسأل: ماذا دخل السوق أصلًا؟ آلاف الخريجين يتخرجون سنويًا بتخصصات غير مطلوبة (علوم إنسانية، إدارة عامة…) بينما يعاني السوق من نقص في التخصصات التقنية والمهنية. المشكلة لا تبدأ عند التسريح، بل عند اختيار التخصص. لماذا لا تربط الجامعات بياناتها بسوق العمل بشكل حيّ (Real-time) ؟
ولماذا لا يُعاد توجيه طلاب السنة الأولى والثانية بناءً على بيانات الطلب الفعلي؟

الثقافة المالية .. الديون قبل التسريح..

الكاتب ذكر “الديون” كأثر للتسريح، لكنه لم يربطها بثقافة الاستهلاك السائدة. كثير من الأسر تعيش على هامش ضيق من الدخل: قروض سيارات، قروض شخصية، بطاقات ائتمان. فالتسريح لا “يخلق” الأزمة المالية، بل يكشف عن هشاشة كانت موجودة. نحتاج إلى برامج توعية مالية وطنية تبدأ من المدرسة، وتعلّم المواطن “الاحتياطي الطارئ” وعدم الاعتماد الكلي على الراتب الوظيفي.

القطاع الحكومي: الأمان الوظيفي كمشكلة

أيضًا، معظم العمانيين ينظرون إلى الوظيفة الحكومية كـ”الهدف”، والقطاع الخاص كـ”خيار مؤقت”. هذا يخلق ضغطًا هائلًا على الوظائف الحكومية المحدودة، ورفضًا نفسيًا للقطاع الخاص حتى لو كانت فرصه أفضل. نحتاج إلى إعادة تشكيل الهوية الوظيفية: أن يُنظر للقطاع الخاص كمسار مهني كريم، وأن تُعاد هيكلة الأجور والحوافز في القطاع الحكومي بحيث لا تكون “جنة” يتهافت عليها الجميع.

أخيرًا..

لا أختلف مع من يطالب بحماية المسرحين، ولا مع من يدعو إلى تشديد الرقابة على سوق العمل أو حماية المهن أو معالجة أوضاع المتعثرين؛ فكل ذلك مطلوب. لكنني أعتقد أن المرحلة القادمة تحتاج إلى سؤال مختلف.

بدل أن نسأل فقط: ماذا نفعل بالمسرّح بعد أن يفقد وظيفته؟
علينا أن نسأل: كيف نبني اقتصادًا وسوق عمل يستطيعان اكتشاف احتمال فقد الوظيفة قبل وقوعه؟

هناك فرق كبير بين السؤالين. الأول يدير الأزمة. والثاني يحاول منعها.

ولعل الوقت قد حان لأن ننتقل من سياسة إنقاذ الإنسان بعد سقوطه، إلى سياسة تمنع سقوطه أصلًا. فالأمان الوظيفي الحقيقي ليس راتبًا مؤقتًا يأتي بعد فقد العمل فحسب؛ بل شعور الإنسان بأن هناك منظومة ترى الخطر قبل وصوله إليه، وتحفظ خبرته وكرامته وقدرته على الاستمرار.

وحين نصل إلى ذلك، لن تكون قضية المسرحين ملفًا نفتحه كلما اشتدت الأزمة ثم نعيده إلى الأدراج… بل ستكون جزءًا من فلسفة اقتصادية ترى في الإنسان قيمةً ينبغي الحفاظ عليها، لا رقمًا نبحث له عن خانة جديدة في جدول التوظيف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى