بأقلام الكُتّابمقالات وآراء

أقنعةٌ من زجاج

نبيلة السهلي

 

 

كنا نجلس في ليلةٍ دافئة، نتبادل الضحكات والأحاديث العفوية، حتى انكسر صفو المكان بكلمةٍ مسمومة. رأيتُ بأمّ عيني كيف يمكن لامرأةٍ تدّعي الثقافة والوعي أن تجرح أمًّا في ولدها المبتلى، بكل برود، دون أن يطرف لها جفن، أو تراعي جرحًا نازفًا في قلبها. كانت لحظةً عابرة، لكنها كشفت عن سقوطٍ أخلاقيٍّ مريع، وجعلتني أتأمل في نماذج بشريةٍ يعيش السواد في أعماقها، وإن تزيّنت في الظاهر بأقنعة الثقافة والوعي.

في دهاليز النفس البشرية، ثمة طينةٌ غريبة من البشر، يرتدون أقنعة الزيف، ويتشدقون بالوعي، بينما يخفون تحت ملامحهم المصطنعة خرابًا عارمًا. أناسٌ أطفأت أحقادهم أنوار الإنسانية في دواخلهم، فتحولت ألسنتهم إلى خناجر مسمومة، تُشهر في وجوه الأبرياء بلا وازعٍ من ضمير، ولا مراعاةٍ لكرامةٍ أو مشاعر.

إنها القسوة حين تتجرد النفس من الرحمة، ويتحول تجريح الآخرين واستغلال ابتلاءاتهم إلى متنفسٍ بائس لعُقد النقص، ومحاولةٍ رخيصة للفت الانتباه وإثبات الذات. لكن المأساة الحقيقية تكمن في الجهل المركب الذي يعيشه هؤلاء؛ إذ لا يكتفون بإيذاء الآخرين، بل يظنون أن ما يفعلونه دليل قوةٍ أو جرأةٍ أو «صراحة».

عمى البصيرة: يعتقد الجارح أن قسوته قوة، وأن صراحته تمنحه الحق في قول كل شيء، بينما هي في حقيقتها عجزٌ أخلاقي، يكشف مقدار النقص الذي يسكنه.

السواد المتراكم: حين يطغى الغل على القلب، يفقد الإنسان قدرته على التمييز بين الخصومة الشريفة والسقوط الأخلاقي، فيتخبط في قسوةٍ منفّرة، حتى يصبح سلوكه مرآةً تكشف ما في داخله.

البضاعة المردودة: ينسى هؤلاء أن جبروتهم الهش لا يصمد أمام موقفٍ واحد يكشف حقيقتهم، وأن المظلوم قد يصمت، لكنه لا يفقد حقه، وأن العدالة الإلهية لا تغفل عن مظلمة، بينما يبقى الظالم أسيرًا لظلمته وأحقاده.

إن تجنب هذه النماذج ليس ضعفًا ولا هروبًا، بل هو أحد أوجه النزاهة وحماية النفس من التلوث بالمهاترات. فالقلوب السوية لا تنشغل بإيذاء الآخرين، ولا تجعل من جراحهم مادةً للسخرية أو الاستعراض.

وحدها الإنسانية الحقيقية تبقى؛ تضيء بكرامتها ورفقها، بينما تتهاوى الأقنعة الزجاجية، مهما بدت براقة، لتكشف في النهاية ما تخفيه من هشاشةٍ وسواد.

فليس كل من تحدّث عن الوعي واعيًا، ولا كل من تزيّن بالثقافة يحمل في قلبه أخلاقها؛ إذ إن الثقافة الحقيقية تُقاس بما تزرعه في الإنسان من رحمةٍ واحترام، لا بما تمنحه له من كلماتٍ وشعارات.

فالإنسان يُعرف حين يملك القدرة على التجريح، ثم يختار الرحمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى