
الاحتيال الإلكتروني المحلي .. تهديد صامت للمجتمع والاقتصاد الوطني
سالم بن حمدان السيفي
إن الثقة في أصلها ليست مجرد شعور عابر، بل هي العقد غير المكتوب الذي يُقام عليه بنيان المجتمعات وتُبنى على أساسه الحضارات. وحين تتحول هذه الثقة من مفهومها الاجتماعي التقليدي إلى طابعها الرقمي الحديث، فإنها تغدو شريان الحياة للتعاملات اليومية والركيزة الأساسية لسيادة الدول واستقرار اقتصادها. غير أن الشك، حين يجد طريقه إلى هذا العقد، لا يكتفي بإفساد المعاملات، بل يفكك الشعور العام بالأمان؛ فالإنسان بطبعه حين يرتد إليه الخوف من وسائل كان يظنها آمنة، يميل تلقائياً إلى الانكفاء والعودة إلى وسائله البدائية الأولى.
وفي عصرٍ تُقاس فيه قوة الأمم بمدى تمكنها من الفضاء الافتراضي، يصبح العبث بالثقة الرقمية استهدافاً مباشراً للهوية والاستقرار. ومن هذا المنطلق الفلسفي، تبرز خطورة الموقف حين يتسلل التهديد الرقمي من داخل أروقة النطاق المحلي ليُزعزع يقين الفرد بمؤسساته الوطنية، مما يضعنا أمام سؤال جوهري يستوجب الوقوف والمواجهة.
ربما لست أنا وحدي من يتساءل ويبحث عن الأسباب حينما يعرج الى فكره هذا السؤال : هل أمننا الرقمي في خطر ؟!. ففي الآونة الأخيرة أصبح استغلال الأرقام والحسابات المحلّية يُزعزع الثقة في الخدمات الإلكترونية ويجبرنا على المناشدة والمطالبة بتدخل حاسم.
فحينما يصبح شحوب الثقة بالنظام المالي والخدمات الرقمية عرضاً ينبغي الوقوف عنده بحزم، مما شهدت الآونة الأخيرة من تحول خطير في أساليب الاحتيال الإلكتروني داخل سلطنة عمان؛ إذ لم يعد المحتال شخصاً مجهولاً يتصل من خلف الحدود بأرقام دولية غريبة، بل أصبح يمارس نشاطه بعناوين وأرقام هاتفية ومزودات خدمة محلية، مستخدماً حسابات بنكية مسجلة باسم بنوك عمانية. هذا التحول النوعي جعل من الاحتيال تهديداً مباشراً للمواطن والمقيم، ومهدداً أكبر للاقتصاد الوطني ومسيرة التحول الرقمي التي تسعى السلطنة لتحقيقها.
وأبعاد هذه المشكلة تتجلى في كيفية تحول الاحتيال إلى اختراق محلي منظم؛ حيث يقوم المحتالون بانتشال هوية مؤسسات مرموقة كالبنوك التجارية وشركات التأمين والهيئات الحكومية وشركات التوصيل عبر أساليب الإيهام والتأثير النفسي. ويتحدث هؤلاء بلغة رسمية مع تقديم بيانات شخصية صحيحة جزئياً لتقوية حجة الاتصال، مستغلين الثغرات التشغيلية كاستخدام شرائح اتصال محلية مجهولة المصدر أو تقنيات تزييف الرقم الظاهر، فضلاً عن تجهيز الممرات المالية من خلال استغلال الحسابات الوسيطة في البنوك العمانية لنقل الأموال وسحبها بسرعة فائقة قبل استجابة الضحية.
ولا تقف أبعاد هذا الجرم عند حدود اللحظة الراهنة، بل إن تفاقمه ينذر بتبعات اقتصادية واجتماعية وخيمة لا تتوقف عند الخسارة المالية الفردية، بل تمتد لتشمل الاقتصاد والمجتمع بأكمله. يأتي في مقدمتها تآكل الثقة بالخدمات الرقمية؛ إذ يدفع الخوف المستخدمين للعودة إلى التعاملات النقدية والورقية، مما يعطل مسار التحول الرقمي. كما يتسبب ذلك في ضرر بالغ لشركات القطاع الخاص والبنوك، نظراً لتخوف العملاء من الرد على الاتصالات الهاتفية أو تنفيذ التعاملات، وهو ما يمس سمعة المؤسسات ويقلل من كفاءة أعمالها، مع خلق حالة من الذعر الشامل وشعور الأفراد بعدم الأمان المالي
وأمام هذا الواقع، تتجه المطالب بوضوح إلى الجهات المعنية ممثلة في البنك المركزي العماني وهيئة تنظيم الاتصالات وشرطة عمان السلطانية، للوقوف صفا حاسما رادعا لهذه الشبكات التي لا تقل خطورة عن عصابات الجريمة المنظمة. ولأن أدوات الجريمة تدار داخل النطاق الجغرافي والشبكي للسلطنة، فإن الوصول إليها وتتبعها أسرع وأسهل تقنياً إذا ما توفر التنسيق المتكامل.
وعلى مستوى القطاع المصرفي، يتطلب الأمر إرساء منظومة حماية حازمة تبدأ من تشديد إجراءات التثبت والتعرف على هوية المتعاملين عند فتح الحسابات الإلكترونية لمنع استغلالها كحسابات وسيطة لنقل الأموال، مع تفعيل تقنيات الرصد الفوري الذكي المعنية بتحليل نمط المعاملات المالية وتجميد التحويلات المشبوهة تلقائياً لحين التحقق منها.
كما يستلزم الوضع تقييد سقف التحويلات المالية في الحسابات الحديثة لفترة زمنية محددة تقطع الطريق على استخدامها المباشر في عمليات تجميع الأموال المحتال عليها.
أما على صعيد قطاع الاتصالات، فيبقى التحدي الأكبر متمثلاً في فرض حظر شامل على التقنيات التي تسمح بتزوير الأرقام الظاهرة للمتصل، وإلزام الشركات ببروتوكولات التوثيق الرقمي التي تضمن ظهور هوية المتصل الحقيقية. ينضاف إلى ذلك تشديد الضوابط الخاصة بملكية شرائح الاتصال وربطها بالبصمة الحيوية للحد من انتشار الشرائح مجهولة المصدر، مع إيجاد خط ساخن موحد ومباشر يستقبل بلاغات المواطنين والمقيمين عن الأرقام والروابط المشبوهة للتعامل معها فور ورودها.
وفي الجانب الأمني والتشريعي، يستدعي الأمر إنشاء مركز استجابة سريعة للجرائم المالية الإلكترونية يتولى ملاحقة الأموال واستردادها في الدقائق الأولى من وقوع الاحتيال بالتنسيق المباشر مع المصارف، إلى جانب تحديث الأطر القانونية لتغليظ العقوبات الجنائية بحق المحتالين وكل من يتساهل في إتاحة حسابه البنكي أو بطاقته الشخصية ليكون واجهة لتمرير هذه العمليات.
وأخيرا فعلينا أن ندرك أن، الثقافة الأمنية لدى الفرد هي خط الدفاع الأول، فإن ترسيخ الوعي المجتمعي يظل حجر الزاوية في هذه المواجهة. يتأتى ذلك من خلال حملات توعوية مكثفة تؤكد على عدم الإفصاح عن البيانات الحساسة ورموز التحقق تحت أي ظرف، بالتوازي مع إبراز جهود ضبط الشبكات واسترداد الأموال للحد من الذعر وبناء الثقة في البيئة الرقمية. إن تضافر هذه الحلول المؤسسية والمجتمعية هو السبيل الكفيل بصون مكتسبات التحول الرقمي وحماية الاستقرار المالي في سلطنة عمان.











