
المؤسسون من استحقاق المعاش إلى استحقاق الوفاء
سُلطان بن خلفان اليحيائي
قد تنتهي الوظيفة بالتقاعد لكن الإنسان لا يتقاعد عن قيمته ولا عن خبرته ولا عن انتمائه. ومن هنا جاءت فكرة هذا المقال؛ فهؤلاء الذين أسهموا في بناء الوطن ليسوا مجرد متقاعدين بل هم مؤسسون انتهت خدمتهم النظامية ولم تنته رسالتهم.
وهذه ليست مفاضلة بين كلمتين ولا محاولة لاستبدال مصطلح بآخر بل هي دعوة إلى أن نقرأ واقعنا الوظيفي بعين الحياة لا بعين الوظيفة. فالحياة تعلمنا أن قيمة الإنسان لا تُقاس بلحظة مغادرته موقعه وإنما بما يتركه بعده من أثر يمتد في الناس والأجيال. ولتكن النخلة خير مثال عملي على هذه الحقيقة.
عندما يغرس العُماني نخلة في أرضه فإنه لا يزرع شجرة مثمرة فقط بل يغرس أصلًا يمتد عطاؤه من جيل إلى جيل. يرعاها وهي فسيلة صغيرة حتى تشتد جذورها ويقوى جذعها ثم تخرج فسائل جديدة تحمل صفاتها وتواصل مسيرتها. وحين تأتي تلك الفسائل فإنها لا تلغي فضل النخلة الأم بل تؤكد قيمتها لأنها كانت أصل العطاء ومنبع الاستمرار.
وهكذا هو الإنسان الذي أفنى سنوات عمره في خدمة وطنه.
فالتقاعد ينهي مرحلة الوظيفة لكنه لا ينهي قيمة الإنسان ولا يلغي خبرته ولا يمحو أثره.
فهناك رجال ونساء كانوا جزءًا من بناء الدولة وتأسيس مؤسساتها وسيبقى عطاؤهم حاضرًا بما تركوه من تجربة ومعرفة وانتماء.
عندما يغادر الموظف مكتبه في آخر يوم من خدمته أو يخلع العسكري زيَّه العسكري بعد سنوات طويلة من الواجب أو يهبط الطيار العسكري بطائرته للمرة الأخيرة فإن الذي ينتهي هو الوظيفة أما العطاء فلا ينتهي.
فالخبرة لا تتقاعد والانتماء للوطن يبقى ما بقي العمر وما يقدمه الإنسان لوطنه لا ينقطع بانتهاء خدمته بل ينتقل إلى مرحلة جديدة من العطاء ونقل الخبرة والمعرفة إلى الأجيال الجديدة.
ولهذا فإن لفظ “المتقاعد” لا يحيط بحقيقة هذه الفئة التي شاركت في بناء الدولة الحديثة.
فهم مؤسسون وضعوا اللبنات الأولى وأسهموا في ترسيخ مؤسسات الوطن كلٌ في مجاله حتى وصلت عُمان إلى ما تنعم به اليوم من أمن واستقرار وتنمية.
لقد كان تقدير الدولة لمن خدموا الوطن حاضرًا عبر ما أُنشئ من أنظمة تحفظ حقوقهم بعد انتهاء سنوات العمل. إلا أن الوفاء للمؤسسين أوسع من أي استحقاق مادي فهو معنى يرتبط بالتقدير والاعتراف بدور من شاركوا في بناء الوطن.
لكن الوفاء للمؤسسين لا ينبغي أن يقف عند حدود المعاش التقاعدي فقط بل يجب أن يمتد إلى جودة الحياة وتعزيز الشعور بأن علاقة الإنسان بوطنه لا تنتهي بانتهاء الخدمة.
ومن هنا فإنهم يستحقون أن ينتقلوا من مرحلة استحقاق المعاش إلى مرحلة استحقاق الوفاء.
فالراتب التقاعدي حق يكفله النظام أما الوفاء فهو قيمة تصنعها الدول العظيمة ، وتحفظ بها ذاكرة رجالها ونسائها.
ومن هذا المنطلق تبرز فكرة إطلاق مبادرة وطنية بعنوان “بطاقة المؤسس” تمنح لكل من أنهى سنوات خدمته لتكون رمزًا للوفاء قبل أن تكون بطاقة امتيازات.
ويمكن أن توفر لحاملها مجموعة من المزايا بالتعاون بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص مثل الخصومات في المجمعات التجارية والفنادق وشركات الطيران الوطنية وشركات الاتصالات والصيدليات والمستشفيات الخاصة وغيرها من الخدمات.
وهذه الامتيازات لا تمثل عبئًا كبيرًا على المؤسسات ؛ لكنها تحمل أثرًا معنويًا كبيرًا لدى من أفنوا أعمارهم في خدمة الوطن وتمنحهم شعورًا بأن المجتمع لا يزال يقدّر ما قدموه.
كما يمكن للقطاع الخاص أن يكون شريكًا في هذه المبادرة ضمن مسؤوليته الاجتماعية حتى يصبح تكريم المؤسسين ثقافة وطنية يشترك فيها الجميع.
ومن هنا تبرز أهمية إنشاء منصة وطنية تستثمر خبرات المؤسسين وتمكّن الجهات الحكومية والقطاع الخاص من الاستفادة من الكفاءات الوطنية الراغبة في مواصلة العطاء من خلال التدريب والإرشاد والاستشارات ونقل المعرفة إلى الأجيال الجديدة.
فإذا كانت الدولة قد استثمرت في بناء الإنسان طوال سنوات خدمته فمن الحكمة أن تستثمر أيضًا في خبرته بعد تقاعده.
غير أن أعظم تكريم للمؤسسين لا يتمثل في الامتيازات وحدها وإنما في حفظ خبراتهم وصون أثرهم.
فالدولة التي تستثمر في الإنسان لا ينبغي أن ينتهي انتفاعها بخبراته بانتهاء خدمته بل تظل تلك الخبرات رافدًا للأجيال ومصدرًا من مصادر المعرفة الوطنية.
وحين يدرك العاملون أن الوطن يحفظ جميل من سبقهم يزداد انتماؤهم لأن الوفاء يولد الوفاء.
فالأوطان العظيمة لا تُقاس فقط بما تبنيه من طرق وموانئ ومطارات ومشروعات بل تُقاس أيضًا بقدرتها على حفظ الجميل لمن صنعوا تلك الإنجازات.
وكما أن النخلة لا تفقد مكانتها عندما تخرج من حولها الفسائل بل تزداد قيمة لأنها كانت أصل الحياة والاستمرار ؛ فإن المؤسسين لا تقل مكانتهم بظهور أجيال جديدة تحمل راية البناء من بعدهم.
فالأجيال القادمة هي امتداد لجهودهم وثمرة من ثمار عطائهم.
فهم لم يكونوا حضورًا مرحليًا في مسيرة الوطن بل كانوا جذورًا راسخة في شجرة الوطن صنعوا بداياتها وأسهموا في نموها وسيبقون دائمًا أحد أهم مصادر قوتها.
فالأوطان لا يكتمل بناؤها إلا عندما تحفظ جميل من أسسوا حاضرها ومهّدوا طريق مستقبلها.









