
من البروتوكول إلى أدب الذاكرة .. عصام الرئيسي يفتح أبواب “حارة الرمل”
علي بن صالح بن علي الكلباني
الكاتب والإعلامي – وعضو سابق في مجلس الشورى
يواصل الكاتب والمؤلف العُماني الأستاذ عصام بن محمود الرئيسي إثراء المشهد الثقافي بإصدار جديد يحمل عنوان “حارة الرمل”، حكاية شخصية من ذاكرة المكان في تجربة أدبية مختلفة ينتقل فيها من الكتابة المتخصصة في البروتوكول والإتيكيت إلى فضاء السرد الأدبي، مستحضرًا ذاكرة المكان والإنسان في ولاية عبري، ومقدمًا للقارئ نصًا يمزج بين السيرة الذاتية وأدب الذكريات.
ويُعد عصام الرئيسي من الأسماء العمانية التي أسهمت في نشر ثقافة البروتوكول والسلوك الراقي، من خلال مؤلفاته التي لاقت اهتمامًا بين القراء، وفي مقدمتها سلسلة “مختارات من البروتوكول والإتيكيت” بأجزائها الثلاثة، التي تناولت أصول التعامل وفنون الإتيكيت والمراسم، إلى جانب كتابه “مراسم وقيم” الذي ربط بين قواعد المراسم والقيم الإنسانية والاجتماعية. كما كان له حضور إعلامي عبر مشاركاته في إذاعة الوصال وبرنامجه الأسبوعي عبر إذاعة الصمود؛ حيث قدّم برامج تناولت البروتوكول والإتيكيت والسلوك الحضاري بأسلوب مبسط يجمع بين المعرفة والتطبيق.
وفي “حارة الرمل”، يكشف الرئيسي عن وجهٍ أدبي جديد، إذ يغادر لغة القواعد والإرشادات إلى لغة الوجدان والذاكرة، ليكتب عن المكان الأول الذي تشكّلت فيه ملامح طفولته، وعن الناس الذين صنعوا أجمل تفاصيلها. فالكتاب ليس توثيقًا تاريخيًا للحارة، ولا دراسة اجتماعية، بل شهادة إنسانية صادقة تُبرز أثر المكان في بناء الإنسان.
ويأخذ الكاتب قارئه في رحلة عبر الأزقة الطينية، وأصوات الجيران، ونداءات الأمهات، وضحكات الأطفال، ليعيد رسم صورة الحياة البسيطة التي كانت عنوانًا للتكافل والمحبة والتواصل الاجتماعي. ومن خلال هذه التفاصيل اليومية، ينجح في تحويل الذكريات الشخصية إلى ذاكرة جمعية يجد فيها كل قارئ شيئًا من طفولته، مهما اختلفت البيئة التي نشأ فيها.
وتتميّز لغة الكتاب بالبساطة والعذوبة، مع مسحة تأملية تجعل من كل فصل نافذةً على مرحلة من مراحل الحياة، وتدعو القارئ إلى إعادة التفكير في العلاقة التي تربطه بالأماكن الأولى. فلا يقدّم الكاتب الماضي بوصفه زمنًا مثاليًا، ولا يقارن بين الأمس واليوم، بل يكتب عن القيم التي تبقى حية في الإنسان مهما تغيّرت الأمكنة وتعاقبت السنوات.
ويؤكد الكاتب في مقدمة كتابه أن ما يقدمه هو رواية للذاكرة كما عاشها، لا كما دوّنتها الكتب، وأن غايته ليست تسجيل الأحداث، بل حفظ التفاصيل الصغيرة التي تصنع الحياة، وتبقى راسخة في الوجدان رغم مرور الزمن.
ويمثل “حارة الرمل” إضافةً نوعية إلى المكتبة العمانية، لما يحمله من قيمة أدبية وإنسانية، ولما يقدمه من صورة صادقة عن المجتمع العماني في مرحلة من مراحله، بكل ما اتسمت به من بساطة وألفة وترابط. وهو عمل يلامس وجدان القارئ، ويؤكد أن الأمكنة قد تتغير، لكن الذكريات الجميلة تظل جزءًا من هوية الإنسان، تسكنه أينما ذهب.
إن هذا الإصدار يتجاوز حدود السيرة الشخصية ليصبح مرآة لذاكرةٍ مشتركة، يجد فيها كل قارئ شيئًا من حكايته.
وفي النهاية، يذكّرنا عصام الرئيسي بحقيقةٍ إنسانية عميقة : ليست قيمة الأمكنة في جدرانها أو شوارعها، بل في الذكريات التي أودعتها في أرواحنا. فهناك أماكن قد نغادرها إلى الأبد، لكنها تظل تسكننا ما حيينا، لأنها لم تكن مجرد أماكن… بل كانت وطنًا لأول أحلامنا وأجمل سنوات العمر.








