بأقلام الكُتّابمقالات وآراء

قبضة جياني ومصداقية المونديال

✍️ ترياء البنا

 

 

أسدل الستار على أغرب نسخة لنهائيات كأس العالم، بفوز المنتخب الإسباني باللقب المستحق للمرة الثانية في تاريخه (بعد نسخة 2010)، والتي أقيمت بمشاركة 48 منتخبا للمرة الأولى في تاريخ البطولة، بين ثلاث دول هي أمريكا، كندا، والمكسيك، فمع زيادة عدد المنتخبات المشاركة تجلت ظاهرة طوفان الأهداف خاصة خلال دور المجموعات، وشاهدنا بعض المباريات وكأنها لقاء في دورة رمضانية، أو مواجهة ودية، وهذا أمر طبيعي، طالما تواجدت منتخبات دون المستوى الفني المعهود للعرس العالمي.

وهنا يطفو على السطح تساؤل مهم؟، هل أصبحت أهم بطولة كروية في العالم، عملية تجارية؟، والإجابة بالطبع نعم، وهذا ليس وليد اللحظة، وإنما الأكيد أن البطولة تحولت من مجرد مسابقة كروية هدفها الإمتاع، إلى مستنقع تجارة متاح فيها كل طرائق المكسب المادي منذ نسخة 1974، مع دخول البث المباشر للمباريات، وبيع حقوق البث، فكانت لقمة سائغة لأهم الشركات، من أجل تحقيق مكاسب خيالية، بدأت تتجلى ملامحها مع نسخة 1978، وتحول مونديال العالم إلى بطولة موجهة، من خلال استراتيجية مرسومة بكل دقة بين الاتحاد الدولي والشركات الراعية، ولا أدل على ذلك من الفضائح التي طالت جميع رؤساء الاتحاد الدولي لكرة القدم السابقين.

ورغم المعرفة المسبقة لدى جميع متابعي بطولات كرة القدم بسيناريو المنافسات، خاصة وأنه أصبحت هناك توقعات معلنة ببطل المونديال قبل انطلاقته بفترة كبيرة منذ نسخة 2010 التي استضافتها جنوب أفريقيا، إلا أن نسخة 2026، جاءت بالجديد والفج، حين بدأت تنتشر فيديوهات من المسلسل الأمريكي الشهير عائلة سيمبسون، تعلن خلالها أحداث وتفاصيل ونتائج مباريات من كأس العالم، وهنا ظهرت شخصية جياني انفانتينو رئيس الفيفا، فبعد كل فيديو ينشر تنقلب نتيجة اللقاءات، في محاولة لمحو نظرية المؤامرة والخطط التجارية والتسويقية المرسومة، ولكن دون المساس باستمرار منتخبات بعينها حتى النهاية، وعلى رأسها الأرجنتين، إذ إن 25% من إعلانات البطولة يسيطر عليها الأسطورة ميسي، ومن أهم أسباب نجاح البطولة استمراره حتى آخر محطات المونديال.

ورغم سيطرة شركات المراهنات على البطولة، والتي سربت عديد المعلومات المادية خلال بعض المواجهات، إلا أن انفانتينو كان له وقفات تؤكد أن الأمور لم تخرج عن سيطرته، فحين طالب الرئيس الأمريكي بإلغاء البطاقة الحمراء للاعب المنتخب الأمريكي فولارين بالوغون، ليتمكن من المشاركة أمام بلجيكا، واضطر انفانتينو للخضوع، إلا أن أمريكا خسرت اللقاء برباعية، ورغم الضغط التجاري والتسويقي من أجل استمرار ميسي، بمزاعم إنجاح البطولة، إلا أن إسبانيا تفوقت على الأرجنتين في نهائي البطولة في مباراة من جانب واحد، لم تقدم خلالها الأرجنتين شيئا، وكأن الرجل يصرخ بشكل واقعي قائلا أنا المتحكم الأول، وكل شيء تحت سيطرتي، هذا إذا كانت شائعة احتواء كرة المونديال على شريحة يتم التحكم بها عن بعد صحيحة، ولم لا نصدق الأمر إذا قيل قبلا إن قرعة النهائيات استخدم بها كرات مبردة بهدف استبعاد أية مواجهات مبكرة بين المنتخبات الكبرى، لضمان استمراريتها لأدوار متقدمة.

الخلاصة.. أصبحت جماهير الكرة حول العالم مدركة بأن مونديال كأس العالم خرج عن كونه مجرد بطولة لكرة القدم، وأصبح أكبر حقل للشركات لجني مليارات الدولارات، خاصة شركات المراهنات، الأمر الذي أفقد البطولة أهميتها، فأصبحت مثل أية بطولة أخرى محلية أو قارية، وأكد على عدم نزاهة البطولات التي تقام تحت لواء الاتحاد الدولي، وربما عدم نزاهة معظم الاتحادات القارية والوطنية، وبالتالي غياب المصداقية حول من يستحق اللقب، بمعنى أن كرة القدم فقدت كل شيء فنيا وإداريا، والأهم شغف الجماهير التي تلعب الكرة من أجلها، وهنيئا لانفانتينو إثبات قبضته الحديدية على مجريات الأمور.

همسة.. منتخباتنا العربية: تحتاجون إلى عمل كبير يبدأ من المقاعد قبل المستطيل الأخضر لضمان تواجدنا بين كبار اللعبة بشكل يرضي الجماهير العربية حول العالم، وعليكم دراسة التجربة المغربية جيدا والاستفادة منها، أما وأن نستمر في إطلاق الشعارات بتحقيق الإنجازات، والعمل مستمر كما هو بلا تغيير، فلن نصل إلى أي مكان، حتى لو زاد عدد المشاركين في نهائيات كأس العالم إلى 64 منتخبا، فحينها لن يكون التأهل بحد ذاته إنجازا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى