
متى ستصبح المنظومة التعليمية المحرك الاستراتيجي للتنمية المستدامة ؟
سالم بن حمدان السيفي
ولتأسيس رؤية وطنية شاملة تنطلق من تكاملية وجودية تجمع بين التعليم والتنمية، وتربط بين تشكيل الوعي البشري واستدامة الكيان التنموي للدولة؛ فلا بد من تفصيل الحراك التعليمي في جوهره عن الحراك الاقتصادي والاجتماعي، بل يمثل العقل المدبر لبوصلتهما. وفي هذا السياق، أصبح من الضرورة بمكان توجيه أهدافنا ورؤيتنا المستقبلية للمشهد التربوي العماني المعاصر ليتجاوز الأطر الكلاسيكية التقليدية، ويؤسس لمنهجية علمية حضارية قادرة على التوازن بين متطلبات الثورة الرقمية وحقوق المواطنة الحقة، وفق رؤية فلسفية ومهنية ممتدة عبر مفاصل المنظومة التعليمية والعملية، ومتناغمة مع تكامل أبعادها لبحث مدى إمكانية تحول المنظومة التعليمية، في ظل الرؤى الوطنية الحديثة، إلى المحرك الأساسي للاقتصاد والتنمية المستدامة.ليرتبط هذا التحول المأمول بإعادة هيكلة الفلسفة التعليمية لمواءمة المناهج مع سوق العمل بشكل مباشر؛ فقد تلاشت الأزمان التي كان يُنظر فيها إلى التعليم بوصفه مجرد مرحلة لتلقي المعارف العامة والحفظ والتلقين، لتصبح المنظومة اليوم هي المنطلق الأساسي لصناعة الهوية الاقتصادية والاجتماعية للوطن.
ففي عالم متسارع تحول فيه التطور التكنولوجي والذكاء الاصطناعي إلى محركات أساسية لجميع القطاعات، أضحى الفكر التقليدي عائقًا حقيقيًا أمام التطور ما لم تُحدد الأهداف والاستراتيجيات بدقة منذ اللحظة الأولى. وبناءً على ما جاء في القرارات الأخيرة لوزارة التعليم، يبرز سؤال جوهري حول كيفية مواءمة المناهج مع الاشتراطات الجديدة لتلبية احتياجات سوق العمل العماني. وإن محصول الجهد الدراسي الشاق يجب أن يثمر بإيجاد فرصة عمل مباشرة بعد مرحلة التعليم؛ إذ إن الوظيفة ليست منة أو إحسانًا للمتعلم المجتهد، بل هي حق مشروع للمواطن، وبوابة أمانه لبناء مستقبله الواعد، وامتداد طبيعي لحضارة أجيال مضت.
وهذا التلازم يستدعي ألا تكون القرارات الوزارية مجرد شعار عابر يُرمّم شتات الرؤى، بل استراتيجية وطنية متكاملة توازن بين البناء المعرفي والاحتياج المؤسسي والخدمي، بهدف إحلال الكادر الوطني وإلغاء قوائم الباحثين عن عمل بشكل جذري.
وهذا التوجيه يقتضي بالضرورة اعتماد منهجية مرنة ومحدثة تتواكب مع متطلبات الثورة الرقمية، وتضمن إعداد جيل يتملك مهارات المستقبل منذ المراحل الدراسية الأولى؛ فلا يمكن الحديث عن الذكاء الاصطناعي في المرحلة الجامعية دون تأسيس مهارات التفكير الناقد وحل المشكلات في المدارس الابتدائية.
ويقضي هذا المسار باستبدال التلقين في الفصول الدراسية الأولى بالتطبيق الحسي والتكنولوجي المبسط، كإدخال مفاهيم البرمجة التفكيكية عبر الألعاب والمنطق الرياضي، لتهيئة عقل الطفل للتعامل مع التكنولوجيا كلغة تواصل وليس كأداة ترفيه فحسب. ومع الانتقال إلى المراحل المتوسطة والمتقدمة، يتحول التركيز من المعرفة العامة إلى التوجيه والمهارات الصلبة، من خلال تفعيل المسارات التعليمية والتقنية والتطبيقية التي أعلنت عنها الوزارة مؤخرًا، بحيث يدرس الطالب مواد ترتبط مباشرة باحتياجات قطاعات الطاقة المتجددة، واللوجستيات، والأمن السيبراني، والاقتصاد الرقمي.
غير أن أي محاولة لتطوير المناهج أو إطلاق المسارات التقنية ستظل مجرد مخرجات مظهرية جافة ما لم ترافقها نهضة شاملة في التأهيل المعرفي والعملي للمعلم بوصفه حجر الزاوية في التحول التربوي؛ فالعلم والمعلم هما القناة الأساسية لنقل الفكر الاستراتيجي إلى واقع الصف الدراسي.
ولتمكين المعلمين من تدريس الطلبة وفق خبرة علمية وعملية حقيقية، يجب أن يرتكز تأهيلهم على مسارين متوازيين : يركز المسار الأول على التأهيل النظري والمعرفي عبر تسليح المعلم بأحدث النظريات التربوية وأساليب التفكير الناقد، مع إكسابه فهماً عميقاً لاقتصاد المعرفة، وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، واستراتيجيات التعليم المدمج والتعلم القائم على المشاريع.
بينما يتكامل المسار الثاني بالتأهيل العملي والميداني من خلال إغماس المعلم في معايشات ميدانية دورية داخل مؤسسات القطاعين العام والخاص لفهم بيئة العمل الحقيقية واحتياجاتها، والالتحاق بمعسكرات تقنية وبرمجية بالتعاون مع المراكز التكنولوجية والشركات الكبرى، مع ربط الترقيات والمسار المهني للمعلم بالحصول على الشهادات الاحترافية والتطبيق الميداني الناجح.
إن هذا التأهيل المزدوج ينقل المعلم من دور الملقن الناقل للمعلومة إلى دور الخبير الميسر للمهارة، مما يمنحه القدرة على نقل الخبرة الواقعية لسوق العمل إلى طلابه، واستحداث أمثلة وتطبيقات حية داخل الفصل تنمي لدى الطالب روح الابتكار والجاهزية المهنية.
كما يتطلب تحقيق هذه الأهداف إحداث التوازن الثلاثي والتخطيط الاستراتيجي للربط المباشر بسوق العمل عبر أبعاد تتكامل في مخرجاتها: أولها البناء المعرفي والتعليمي تقديم مناهج مرنة تتحدث وتتطور سنويًا لمواكبة الثورة الرقمية حتى لا يتخرج الطالب ليجد أن ما درسه قد تجاوزه الزمن؛ وثانيها البناء الخدمي بتوفير بيئة مدرسية وجامعية مجهزة بالمختبرات التقنية المتقدمة وحاضنات الابتكار ليمارس الطالب تجاربه واقعيًا؛ وثالثها البناء المؤسسي القائم على الربط المباشر بسوق العمل من خلال تنسيق ثلاثي بين وزارة التعليم، ووزارة العمل، والقطاع الخاص عبر منصة بيانات موحدة ومباشرة تربط التخصص الأكاديمي بالفرص الوظيفية المتاحة، ليتفاعل الخريج فور تخرجه مع الجهة المعنية مستفيدًا من سياسات الإحلال. وهذا التكامل سيوصلنا حتمًا إلى توطين الوظائف وتقليص استقدام الكوادر الوافدة في التخصصات النوعية والعليا، وليس فقط في الوظائف الهامشية، وهو ما يتطلب منح أولياء الأمور رؤية واضحة وشديدة الشفافية لاستشراف مستقبل أبنائهم.
وتحتاج الأسر اليوم إلى إعلان استراتيجي يوضح خارطة التخصصات الواعدة والمهن التي سيتم توطينها بالكامل خلال السنوات القادمة، والاشتراطات الأكاديمية والمهارية المطلوبة لكل مسار، بالتوازي مع اتخاذ قرارات شجاعة بإغلاق القبول في التخصصات المشبعة، وتوجيه الدعم والبعثات نحو تخصصات المستقبل مثل هندسة البيانات، والأنظمة الذكية، وإدارة سلاسل الإمداد.
وبما أن للوقت متسعًا، فإنه لا يوجد مانع من بدء تفعيل هذه المحاور وتطبيقها بجدول زمني معلن يزيل الغموض ويرسم منهجية واضحة للمستقبل.
ولتحويل هذه الفلسفة إلى واقع ملموس، لا بد من تفعيل الآليات التطبيقية ومحركات التنفيذ عبر الشراكة والشفافية التنبؤية التي تتصل مباشرة بعصب العملية التعليمية والاقتصادية. ويأتي في مقدمتها جعل القطاع الخاص شريكًا مصمماً، عبر الانتقال بمهامه من دوره التقليدي كمستوعب للخريجين إلى دوره كشريك أصيل في صناعة المناهج والمسارات، وذلك بتأسيس مجالس مهارات قطاعية تضم ممثلين عن الشركات الرائدة والوزارات المعنية لتحديد المهارات الجدارية المطلوب دمجها في المناهج بصفة دورية.
يرافق ذلك اعتماد التدريب الميداني المبكر والممتد بتحويل التدريب العملي من مجرد متطلب للتخرج في السنتين الأخيرتين بالجامعة إلى مسار ممتد يبدأ من المرحلة الثانوية عبر نظام التعليم المزدوج الذي يدمج بين المعرفة النظرية في المدرسة والتدريب العملي في مواقع العمل، مما يعزز انضباط الطالب ومهارته الميدانية قبل التخرج. مع الالتزام بالإفصاح والشفافية التنبؤية من خلال نشر دليل سنوياً موجه للطلبة وأولياء الأمور يوضح القراءات التنبؤية لسوق العمل والتخصصات المشبعة والوظائف التي ستوطن كلياً، مما يمنح الأسرة القدرة على اتخاذ قرارات تعليمية واعية تحمي المستقبل الأكاديمي لأبنائها.
وفي هذا الصدد، تتجلى التجارب الملهمة والمكتسبات الوطنية عبر نماذج دولية أثبتت نجاحها في تحقيق الاستدامة؛ إذ يؤكد الربط المحكم بين التعليم والاقتصاد أنه حجر الزاوية لكل نهضة.
فلم تنجح القفزات الاقتصادية للدول المتقدمة إلا عندما تحولت المنظومة التعليمية فيها إلى المورد الأساسي لمشاريعها الوطنية، وهو ما يظهر جلياً في النموذج الألماني الذي يعتمد التعليم المزدوج بدمج التحصيل الأكاديمي بالتدريب الميداني داخل الشركات مما خفض البطالة بين الشباب إلى أدنى مستوياتها، والنموذج السنغافوري الذي يعيد رسم المناهج كل خمس سنوات بناءً على التنبؤات الاقتصادية للتكنولوجيا، والتجربة الكورية عبر مدارس الميستر المتخصصة في التكنولوجيا الدقيقة والمرتبطة بمصانع القطاع الخاص مباشرة، إلى جانب التجارب الخليجية الحديثة في إغلاق التخصصات التقليدية لصالح الأكاديميات الرقمية والذكاء الاصطناعي. وإن تطبيق هذه الرؤية الشاملة يضمن تصفير قوائم الباحثين عن عمل عبر ضبط أعداد المقبولين بناءً على الطاقة الاستيعابية لسوق العمل، ورفع كفاءة الإنفاق الحكومي بتقليص الهدر المالي الموجه لتخصصات غير مطلوبة، وتعزيز الشفافية مع الأسرة والمجتمع، وتحقيق التعمين النوعي بالانتقال إلى توطين الوظائف التخصصية والقيادية.
وبناءً على ذلك، فإن الانتقال إلى الواقع الملموس واستثمار الإنسان يمثل المحرك الاستراتيجي الأهم لنهضة مستدامة، والأخذ الحازم والمبكر بركائز هذا التحول الشامل لم يعد خيارًا تنمويًا أو تحسينًا مرحليًا، بل هو السبيل الوجودي الأوحد لصياغة مستقبل الوطن وحماية مقدراته. فالاستثمار الحقيقي لا يكمن في بناء المنشآت بقدر ما يتجلى في بناء الإنسان المتمكن معرفيًا وعمليًا، والمسلح بمهارات سوق المتغيرات المتسارعة. فالانتقال الجاد من الاستراتيجيات النظرية إلى واقع الصفوف الدراسية وميادين العمل يضع سلطنة عمان في موقع الريادة الاقتصادية، ويضمن تحويل التحديات الحالية إلى فرص واعدة تؤمن للشباب حقهم المشروع في العيش الكريم والمشاركة الفاعلة، لتغدو المنظومة التعليمية العمانية بحق هي العقل المدبر والمحرك الاستراتيجي المستدام لنهضتها المتجددة.







