
الوراثة في كرة القدم.. اللعبة من الأب إلى الابن
المستشار نعمان عبد الغني
تؤدي الوراثة دورًا مهمًا في كرة القدم، إذ تشير العديد من الدراسات إلى أن العوامل الجينية قد تسهم بنحو 35% في تحديد الاستعداد الرياضي لدى المبتدئين، بينما تتكفل عوامل التدريب والبيئة والخبرة بصقل الموهبة وتحويلها إلى أداء احترافي.
وتتحكم الجينات في عدد من الصفات البدنية والفسيولوجية الأساسية، مثل نوع الألياف العضلية، وسرعة الاستجابة، والطول، وبنية الجسم، وهي عوامل تمنح أفضلية في بعض مراكز اللعب، ولا سيما حراسة المرمى والدفاع.
الجينات والقدرات البدنية
يرتبط علم الوراثة بكرة القدم من خلال مجموعة من المحددات البدنية والفسيولوجية، من أبرزها: جين القوة والسرعة (ACTN3): يُعرف باسم “جين السرعة”، إذ تمنح بعض متغيراته أصحابها قدرة أكبر على الانفجار العضلي والركض السريع، ويُعتقد أنه يسهم بنسبة محدودة في التميز البدني لدى الرياضيين.
أنواع الألياف العضلية: يحدد العامل الوراثي إلى حد كبير نسبة الألياف العضلية سريعة الانقباض، المسؤولة عن القوة والسرعة، مقارنة بالألياف بطيئة الانقباض، المسؤولة عن التحمل، وهو ما قد يؤثر في طبيعة المركز الذي يناسب اللاعب.
القدرة الهوائية (VO₂ Max): تشير الأبحاث إلى أن الحد الأقصى لاستهلاك الأكسجين يتأثر بعوامل وراثية بنسبة قد تصل إلى 50%، وهو عنصر أساسي في قدرة اللاعب على المحافظة على الأداء طوال المباراة.
الطول وبنية الجسم: تعد صفات الطول، والوزن، وكثافة العظام من أكثر السمات تأثرًا بالوراثة، وقد تصل نسبة تأثير الجينات فيها إلى نحو 80%، مما يمنح بعض اللاعبين أفضلية في مراكز معينة.
الوراثة وحدها لا تصنع بطلاً
يجمع خبراء علوم الرياضة على أن الجينات وحدها لا تكفي لصناعة لاعب كرة قدم محترف، بل إن النجاح الرياضي هو ثمرة التكامل بين الوراثة والبيئة والتدريب. وتشمل العوامل المكملة ما يلي:
التدريب الفني والتكتيكي المستمر.
تطوير مهارات التحكم بالكرة والمراوغة والتمرير والتسديد.
تنمية الذكاء التكتيكي وسرعة اتخاذ القرار.
التغذية السليمة والإعداد البدني الحديث.
الدعم النفسي والانضباط والالتزام.
لذلك فإن اللاعب الذي يمتلك استعدادًا وراثيًا جيدًا، ويخضع لبرامج تدريبية متطورة، تكون فرص نجاحه أكبر من غيره.
هل تنتقل موهبة كرة القدم بالوراثة؟، لا تنتقل موهبة كرة القدم وراثيًا بصورة مباشرة، فلا توجد جينات مسؤولة عن المراوغة أو التمرير أو التسديد، وإنما تنتقل بعض القدرات البدنية التي تساعد على اكتساب هذه المهارات.
أولًا: العوامل التي تنتقل وراثيًا
الطول وبنية الجسم.
سرعة الاستجابة العصبية.
كفاءة الجهازين العضلي والتنفسي.
نوع الألياف العضلية والقدرة على إنتاج القوة أو التحمل.
ثانيًا: العوامل البيئية
النشأة داخل أسرة رياضية.
الاحتكاك المبكر بالملاعب.
جودة التدريب والتكوين.
الثقافة الرياضية داخل الأسرة.
الاستعداد النفسي للتعامل مع الضغوط والمنافسة.
ولهذا السبب، كثيرًا ما نرى أبناء نجوم كرة القدم يواصلون مسيرة آبائهم، ليس بسبب الجينات وحدها، وإنما أيضًا بفضل البيئة الرياضية التي نشأوا فيها.
أشهر العائلات الكروية
شهد تاريخ كرة القدم العديد من العائلات التي امتد فيها الإرث الكروي عبر الأجيال، ومن أبرزها: عائلة مالديني (إيطاليا): تشيزاري مالديني، ثم ابنه الأسطورة باولو مالديني، ثم الحفيد دانيال مالديني، وجميعهم ارتبطوا بتاريخ نادي ميلان.
عائلة زيدان (فرنسا): الأسطورة زين الدين زيدان، وأبناؤه الذين خاضوا تجربة الاحتراف، ومنهم لوكا وثيو وإنزو.
عائلة إمام (مصر): بدأ الإرث الكروي مع الراحل حمادة إمام، واستمر مع نجله النجم حازم إمام، أحد أبرز نجوم الكرة المصرية.
عندما يدرب الأب ابنه
تكررت في كرة القدم العالمية حالات أشرف فيها الآباء على تدريب أبنائهم، ومن أبرزها: دييغو سيميوني وجوليانو سيميوني: قاد المدرب الأرجنتيني دييغو سيميوني ابنه جوليانو مع نادي أتلتيكو مدريد، في تجربة لاقت اهتمامًا إعلاميًا واسعًا.
زين الدين زيدان: أشرف خلال فترة تدريبه لريال مدريد على تدريب بعض أبنائه في الفئات المختلفة للنادي.
الإرث الكروي عبر الأجيال
كما شهدت كرة القدم استمرار الإرث داخل بعض الأسر، مثل: تشيزاري وباولو مالديني في ميلان.
يوهان كرويف وابنه جوردي كرويف، حيث سار الابن على خطى والده، ولعب أيضًا مع برشلونة.
بين الجينات والعمل
تبقى الوراثة عنصرًا مهمًا يمنح اللاعب نقطة انطلاق، لكنها ليست العامل الحاسم في صناعة النجوم. فالنجاح في كرة القدم يقوم على مزيج من الاستعداد الوراثي، والعمل الدؤوب، والتدريب المستمر، والبيئة المناسبة، والإرادة القوية.
ومن هنا يمكن القول إن كرة القدم قد تنتقل من الأب إلى الابن كشغف وثقافة وأسلوب حياة، أما النجومية فلا تُورث، بل تُكتسب بالاجتهاد والانضباط والعمل المتواصل.








