ثقافة وأدب

الباحث إسماعيل العجمي: الروايةُ العُمانية نجحت في تحقيق توازن فنيٍّ ولغويٍّ بين الأصالة والمعاصرة

أصـــداء /العُمانية

أكد الباحث الدكتور إسماعيل العجمي على أن الرواية العُمانية نجحت في تحقيق توازن فني ولغوي بين الأصالة والمعاصرة من خلال قدرتها على المزج بين اللهجات المحلية والأساليب الحديثة في السرد، إذ تسعى الرواية العُمانية إلى التطوير من البناء التقليدي إلى السردية الحديثة التي تعكس التغييرات في المجتمع العُماني، ففي أوائل الروايات العُمانية نجد التبعية الثقافية والاجتماعية المؤثرة من حيث الهُوية العُمانية واستحضار التراث الشعبي ومعالجة الموضوعات والقضايا الاجتماعية.

ويرى الدكتور إسماعيل العجمي – وهو باحث وأكاديمي عُماني متخصص في الأدب، ألّف كتاب “اتجاهات الرواية العُمانية” -الذي تناول فيه أبرز اتجاهات الرواية العُمانية وقدم فهرسًا للروايات والروائيين العُمانيين- أن الرواية العُمانية انطلقت متأثرة بالرواية العربية والعالمية للتغيير في الأساليب التقليدية وكسر المألوف الذي تمثّل في استخدام التقنيات كالحلم وتيار الوعي وتعدّد الأصوات واللغة الشعرية والرمزية وتطور الشخصيات.

وأضاف في حديث لوكالة الأنباء العُمانية: “التجريب ضرورة جماليّة في الإبداع، ولكن بشرط تحقيق التوازن بين التجريب والهُوية السردية، لأن المبالغة في التجريب ستُفقِد الرواية طابعها الفني ووقعها على القارئ، وقد تُفقدها عنصر التشويق لأن القارئ لا يكاد يفقه ما يقرؤه في سطور الرواية، وقد تُفقِد المبالغة في الهوية السردية لدى القارئ والروائي شغف الرواية، نتيجة اتخاذ القالب ذاته في جميع الأعمال الروائية”.

وأكد على أن الرواية العُمانية نجحت في تحقيق التوازن بين التجريب والهُوية السردية في تناولها للموضوعات والهموم التي تعالجها كالصراع بين القديم والحديث مثل روايات: سيف السعدي وسعود المظفر وحمد الناصري، وأزمة الذات والاغتراب مثل رواية “العصفور الأول” لأزهار أحمد، وروايات أحمد الرحبي، والموضوعات المسكوت عنها كالجندرية والطبقية مثل ورواية “الأشياء ليست في أماكنها” لهدى حمد، روايات سالم ربيع الغيلاني.

وأضاف قائلًا: “من البديهي أن الروائي يعكس في رواياته أفكاره وخواطره ومشاعره وإن حاول أن يتجرد منها وهو يكتب سطور الرواية، أو حاول أن يتخذ راويًا خياليًّا ليوهمنا أن ما كُتب في الرواية هي مشاعر الراوي وليست الروائي، من خلال رؤيتي البحثية في هذا السياق المعنونة بـ”الحوار في الرواية العُمانية” وأشرت فيها إلى أن الحوار لدى الروائي العُماني هي من العناصر المستخدمة في بناء الرواية، وينقسم الحوار إلى: الحوار الخارجي (الديالوج) والحوار الداخلي (المونولوج)، فيحقق المونولوج الحوار الذاتي ليقوم الراوي بنقل ما يختلج في داخله من أحاسيس وأفكار أثناء نقل الأحداث الروائية، أما المونولوج فيكشف ما في داخل الشخصيات المتحدثة، والروائي من خلال الحوار لا يستعرض أفكاره الشخصية فقط وإنما قد ينقل لنا تجارب آخرين عاش فيها الروائي مشاعرهم وأحاسيسهم، بشكل عام يمثل الحوار- سواءً كان داخليًّا أو خارجيًّا- وعاءً فنيًّا يفرغ فيه الروائي مشاعر الذات الفردية والجمعية، ويكشف عن التغيرات والتحولات التي مرّ بها الإنسان العُماني بين الأمس واليوم.

وأشار إلى أن بعض الروائيين قد وظف المفردات العُمانية في السرد الروائي، حيث يظهر هذا التنوّع اللغوي بجلاء في روايات عديدة مثل رواية “سيدات القمر” لجوخة الحارثية، التي تمزج بين اللغة الفصيحة الراقية والمفردات المحلية لتصوير الثقافة والبيئة العُمانية، مما يمنح السرد العُماني طابعًا خاصًّا يميزها عن الروايات العربية والعالمية، ويمكن القول إن الرواية العُمانية استطاعت أن تؤسّس لغة سردية متميزة توازن بين طابع التراث العُماني وبين الحداثة العالمية، وبذلك تحافظ الرواية العُمانية على هويتها وتواكب الحداثة في الوقت ذاته، وتوجد دراسة تناولت “المعجم اللغوي ودوره في الإيهام السردي في الرواية العُمانية” للدكتورة مريم البادي.

وحول سبر أغوار الرواية العُمانية يوضح العجمي قائلًا “نستقرئ الواقع الذي يعيشه الروائي أو واقع الآخرين الذين يعيش معهم ويسمع منهم، إذ زخرت الرواية العُمانية بتصوير الحياة الواقعية الاجتماعية، ورصد أثر التغيير الاجتماعي والاقتصادي في المجتمع العُماني الذي رافق مرحلة ظهور النفط والتطور، فرواية “التي تعد السلالم” لهدى حمد تتناول العاملة الوافدة التي أصبحت جزءًا من متغيرات المجتمع، ورواية “1986” لسعود المظفر تتناول انهيار أسعار النفط وتأثيره العالمي، ورواية “سجين الزرقة” تمثل قضية مجهولي النسب وهي واحدة من أهم القضايا الاجتماعية التي تهتم بالشرف والفضيلة، وروايتا “ظل هيرمافروديتوس” لبدرية البدري و”بدون” ليونس الأخزمي اللتان تبحثان قضية الهُوية الجندرية، وهذه قضايا مسكوت عنها في المجتمعات العربية، كما تناولت بعض الروايات ظاهرة التمييز العنصري والتباين العرقي في المجتمع، ويركز الروائي العُماني الضوء على واقع الحياة بشكل عام وواقع شرائح معينة من المجتمع بشكل خاص سعيًا لتقديم رؤية جديدة وحلول لتجاوز بعض عقبات الحياة التي تعيق المجتمع أو الفرد”.

وفيما يتصل بالاتجاه العلمي في الرواية العُمانية يقول العجمي: “يتجلى ذلك من خلال قلة عدد الروائيين الذي تناولوا الخيال العلمي وتعمقوا فيه للمقارنة، ويُعد الروائي محمد قرط الجزمي أول روائي كتب في هذا المجال، ولا زال مستمرًا في إبداعاته التي تتناول الخيال العلمي مما جعلها مميزة بدايةً من روايته “من دون مرآة” (2012) فالاستمرارية جعلت الروائي يتعمق في الأفكار المتخيلة، وظهرت محاولات روائية عُمانية أخرى في هذا المجال مثل: رواية “ثقب ماريانا الأسود” لحيدر الكشري التي توضح رغبة الإنسان في اختراق باطن الأرض، وكشف أسراره، كما كتب سالم آل تويه رواية “عام 3000″، حيث تصور الروائي عالمًا خياليًّا لا يشبه عالم اليوم وإن كان امتدادًا له، فيذهب إلى عام 3000 لتخيّل طبيعة تطور المجتمع البشري العلمي والتكنولوجي والإنساني، من خلال محاولة علماء ذلك الزمن المستقبلي إحياء ميت عربي من زمننا الحالي، ليعيش أحداثًا غريبة في المستقبل لم يعتد عليها من قبل”.

وأكد على أن روايات الخيال العلمي تسعى في مضمونها إلى توضيح العلاقة بين الإنسان والمستقبل والتكنولوجيا الحديثة والمتخيلة كمستقبل حياة البشر وتلامس بعض القضايا المجتمعيّة المتنوّعة وطريقة حلها بسهولة، قائلًا: “فرواية “عام 3000″ تتجلى في التقدم العلمي والتكنولوجي والطبي، مثل توافر علاجات سهلة وبسيطة للأمراض المزمنة التي تلازم حياة الإنسان في عصرنا كالسكر والضغط، وبمعنى آخر فالمشاكل الصحية التي نجدها مزمنة ويستصعب التعافي منها في عصرنا تكون أمرا هينا في المستقبل، بالإضافة إلى توقع الكوارث المستقبلية وإيجاد الحلول المناسبة للوقاية منها قبل فوات الأوان”.

وأضاف: “كما تطرقت إلى الأبعاد السلبية المُتوقعة ومنها حدوث حروب بين البشر والرجال الآليين، وقد نشرت بحثًا بعنوان “الخيال العلمي في الرواية العُمانية” في مجلة أريد الدولية العدد الـ(14) المجلد السابع 2025، متحدثا فيها عن أهمية الروايات العلمية، فالرواية العلمية لسيت مجرد مغامرة خالية فحسب ولكنها أداة لتقديم العلوم إلى القارئ في قالب فني يشجع القارئ على معرفته بأسلوب شائق، والرواية تعطي للمؤلف مساحة ليعكس فيها تنبؤاته المستقبلية حسب معطيات العلوم في عصرنا الحالي”.

ووضح أن الذاكرة الشعبية العُمانية زاخرة وتمتلك مخزونًا واسعًا من القصص والأمثال التي توارثتها الأجيال العُمانية، ولهذا وظّفها الرّوائيون في أعمالهم الرّوائية من خلال الحنين إلى الماضي وتوظيف التراث المادي واللامادي إلا أن هذا لم يعق الروائي العُماني من تناول قضايا عربية وعالمية وسردها في الأعمال الروائية.

وبيّن قائلًا: “الرواية تقدم التاريخ ليسهل فهمه بصورة شائقة، فالتاريخ يبقى مادة تقدم الحقائق، إلا أن الرواية تسهم في معرفة الحقائق بصورة شائقة ومتخيلة، ومن يقرأ الإنتاج الروائي العُماني يجد بعض الروايات التي تناولت شخصيات عُمانية تاريخية عريقة وحديثة، ومن هذه الروايات: “السيد مر من هنا” و”ربيع الامام” لمحمد الرحبي، و”الجاعد الأبيض” و”السرداب” للدكتور خالد الكندي، و”لن أحمل البندقية” لخليل خميس وغيرها، وهناك روايات تناولت فترات تاريخية، وعلى سبيل المثال لا الحصر من يقرأ رواية “بن سولع” لعلي المعمري يجد أنها قدمت مادة تاريخية بصورة رائعة وورد فيها سرد لأحداث تاريخية وسياسية في شبه الجزيرة العربية وتأثيرها على المجتمع الخليجي، وتربط الماضي بالحاضر، وتكشف التاريخ المخفي مستشهدًا بالمخطوطات وتحليل الأحداث”.

وقال الباحث الدكتور إسماعيل العجمي: “الرواية العُمانية ليست بديلًا عن التاريخ البحت، ولكنها تخدم التاريخ من خلال تشويق القارئ إلى معرفة الأحداث الماضية والشخصيات التي برزت في تاريخ عُمان، والاعتزاز بالأمجاد التي سطّرها الأجداد عبر التّاريخ، فالرواية العُمانية التاريخية هي نافذة يطلّ منها القارئ على التاريخ العُماني، فيتطلع إلى معرفة المزيد حوله، والرواية العُمانية التاريخية لم تقع في فخ النوستالجيا، فهناك الكثير من الروائيين الذي تناولوا قضايا معاصرة، وتنوعت اتجاهات الإنتاج الروائي، فبجانب الاتجاه التاريخي نجد الاتجاهات نحو القضايا الاجتماعيّة والسياسيّة والعلميّة والنفسيّة، وتنوعت أزمنة القضايا المتناولة بين الأمس واليوم الحاضر والمستقبل”.

ويضيف: “تجاوزت الرواية العُمانية جغرافية سلطنة عُمان لتسجل حضورًا خليجيًّا وعربيًّا ودوليًّا أيضا من خلال ترجمة بعض الروايات إلى اللغات الأخرى، مثل ترجمة روايات جوخة الحارثية وهدى حمد وزهران القاسمي إلى لغات عديدة، ويعتمد مستقبل الرواية العُمانية على الروائيين والنقاد والباحثين، فالروائي العُماني بقلمه وملكته الفكرية يستطيع أن يحافظ جوهر الرواية العُمانية، والناقد والباحث بإحساسه وتذوقه للعمل الروائي يستطيع أن يصقل الرواية العُمانية ليقدم دعما بناءً للرّوائي، أما الاعتماد على الوسائط السرديّة الجديدة بشكل رئيس سيفقد الروائي ملكته الفكرية ويفقد الناقد والباحث قدرتهما في تذوّق الإنتاج الروائي”.

ويشير إلى ظهور ثورة الرواية الرقميّة كشكل من أشكال تأثير التكنولوجيا الحديثة على التطور الأدبي الروائي، حيث يقول في هذا السياق: “تُعد روايات محمد سناجلة تجربة جديدة في هذا المجال وتُدرس ويتفاعل معها القرّاء، ويختلف النقّاد حولها. وفي ظل الاعتماد على الذّكاء الاصطناعي في الآونة الأخيرة أعتقد بأن هذه التحولات لا تشكل تحديًّا فقط بل قد تشكل تهديدًا على الأدب بصورة عامة، وستظل تطرح العديد من التساؤلات. فاليوم أصبح الأغلب يطلب السّرعة في الإنجاز، ولم تقتصر السرعة والجاهزية على المأكولات والملبس، بل يريد البعض الإسراع في جلب المعلومات وتشكيل رواية سريعة من خلال توليد النصوص باستخدام وسائط السرد الرقمية، فخطر الذكاء الاصطناعي على الروايات بشكل عام وعلى الرواية العُمانية بشكل خاص يمثل هاجسًا في هذه الفترة”.

ويختم حديثه بالتأكيد على دور كل من الرّوائي والنّاقد والباحث للحفاظ على هُوية الرّواية العُمانية وجوهرها الإنساني، وأن مشاعر الفرح برؤية الإنجاز الذي يحقّقه الفرد بصنع يده وفكره تفوق مشاعر الحصول على المنتج الجاهز، فهي أعمق وتدوم لفترة أطول وتعزّز ثقته بنفسه وتدفعه نحو المزيد من الإبداع والتطور.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى