
موقع سلّوت الأثري: مستوطنة من العصر الحديدي وتحفة فنية فريدة
أصـــداء/ العمانية
تقع واحة بسياء وسلّوت الأثرية بين ضفتي وادي سيفم ووادي بهلا بمحافظة الداخلية والتي تمثل قيمة استثنائية تعُود شواهدها الأثرية لعصورٍ مُبكرةٍ من الحضارة الإنسانية ممتدة من العصر البرونزي مرورًا بالعصر الحديدي وحتى العصر الإسلامي، كما تشكل موقعًا استيطانيًا بشريًا منظمًا.

وقالت إبتسام بنت عبد الله المعمرية مديرة دائرة التراث العالمي بوزارة التراث والسياحة لوكالة الأنباء العُمانية: “إن موقع بسياء وسلّوت بولاية بهلا بمحافظة الداخلية يمتلك معايير ذات قيمة ثقافية، ويعد تحفة فنية فريدة وإستثنائية عالمية، حيث يعبر الموقع عن الإبداع الإنساني ويعكس تبادلًا مهمًا للقيم الإنسانية وشاهداً على تقاليد حضارية، وهو من المناطق ذات الجمال الطبيعي الفريد ويحتوي على بيئات طبيعية غنية بالتنوع البيولوجي.”
وأضافت: إن وزارة التراث والسياحة بالتعاون مع عدد من الجهات المعنية تعمل على تعزيز تواجد المواقع التأريخية العُمانية ضمن سجل التراث العالمي لدى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة اليونسكو ونحن الآن في مرحلة إعداد ملف ترشيح موقع بسياء وسلّوت الذي سيتم تقديمه لمنظمة /اليونسكو/ باسم “سلّوت: مستوطنة من العصر الحديدي”، مشيرة إلى أن الخبير المختص الذي سيعمل على إعداد الملف سيضع خطة لإدارة المواقع التي سيتم تقديمها متزامنة مع تسليم ملف الترشيح، وسيستغرق العمل حوالي سنتين من الجهود والخطط حتى إنجازه”.

من جانبه أكد أحمد بن محمد التميمي مدير دائرة موقع بسياء وسلّوت الأثري أن الموقع يعد ثريًا؛ حيث سجل للمرة الأولى عام 1973، وبدأت البعثات الأثرية في أعمال التنقيبات به منذ بدايات الثمانينيات، من القرن الماضي وتعاقبت عدد من البعثات الأثرية للعمل في الموقع، وتقوم حاليًا البعثة الإيطالية من جامعة ميلانو، بأعمال التنقيب على المدافن الأثرية في بسياء في محاولة لسبر وتعميق الفهم للغموض الذي يكتنف تلك المدافن، كما تقوم بعثة أخرى من جامعة السربون الفرنسية بأعمال التنقيب والحفريات في موقع”فل” الأثري وموقع “الظبي”، وتعمل البعثتان على تحديد عمر المواقع محل التنقيبات، واستكمال التنقيبات السابقة والرؤية الشاملة والفهم الأعمق لهذه المواقع الأثرية الممتدة منذ بداية الإستيطان فيها في نهاية الألف الرابع قبل الميلاد.

وبين أن هناك جهودًا مستمرة تقوم بها وزارة التراث والسياحة ممثلة في مركز زوار بسياء وسلّوت للتعريف والترويج لهذا الموقع التاريخي، حيث زار الموقع منذ افتتاحه في فبراير 2023 وحتى نهاية ديسمبر 2025 أكثر من 16 ألفًا و400 زائر من المواطنين والمقيمين والسياح القادمين من خارج سلطنة عُمان، ومن ضمن الجهود الترويجية في هذا الجانب يتم تنفيذ برنامج سنوي لعدد من الفعاليات بالتعاون مع المجتمع المحلي في المنطقة وتخصيص مساحات خارجيه لاستضافة الفعاليات والبرامج مثل التي تقيمها جمعيات المرأة العُمانية والفرق الرياضية التابعة لنادي بهلا ومؤسسات المجتمع المدني والمكتبات الأهلية، ومن تلك البرامج التي نفذت الأمسيات الشعرية ومعارض الأسر المنتجة وفعاليات الأطفال والمعارض الفنية وغيرها.
وأشار إلى أن مركز الزوار بموقع بسياء وسلّوت الذي يضم لوائح عرض تلخص تأريخ البحث الأثري في المنطقة وأنماط الاستيطان البشري المختلفة وأنماط المدافن والعلاقات التجارية التي كانت قائمة بين الحضارات المجاورة، ويستضيف سنويًا عددًا من العلماء والباحثين الذي يزورون الموقع بشكل فردي لأعمال الدراسة والبحث العلمي في مجالات مختلفة استكمالًا لدور الوزارة في أعمال المسح والتوثيق.

ووضح أن المركز يضم قسمًا للمقتنيات الأثرية مختص باستلام وحفظ القطع الأثرية منذ الكشف عنها خلال التنقيبات المختلفة، ثم تأخذ مسارها إلى عمليات الترقيم والأرشفة والحفظ في المخازن ومنها ما يذهب إلى عمليات الصيانة والترميم في ديوان عام وزارة التراث والسياحة أو في مركز الزوار بالموقع، كما أن منها ما يذهب إلى مسار العرض المتحفي، حيث أن هناك العديد من اللقى الأثرية التي تم اكتشافها في موقع بسياء وسلّوت وتم عرضها في المتحف الوطني وفي متحف عُمان عبر الزمان.
وأضاف أن موقع بسياء وسلّوت يعد موقعًا ثريًا بالشواهد الأثرية، ويضم آلاف المدافن من العصر البرونزي كحصن سلّوت والشواهد الأثرية المحيطة به مثل مدينة سلّوت الملاصقة للحصن وأبراج الألف الثالث ومدافن العصر البرونزي ومدافن العصر الحديدي ، ومجموعة من الرسومات الصخرية، وهناك مواقع أثرية عديدة وممتدة في قرى الظبي وفل والمعمور القريبة من موقع بسياء وسلّوت، بالإضافة إلى أن مدينة سلّوت تعد مركزًا استيطانيًا ثريا جداً وهو دلالة على الاستيطان والنشاط البشري الكبير في المنطقة في فترة الألف الأول كما أن الحصن الموجود فيها بمثابة منطقة إدارية، وهو ما يؤكد وجود تتنظيم إداري واقتصادي قائم على الزراعة والأفلاج كمورد مائي.
وفيما يتعلق بجهود البحث والتوثيق العلمي قال: “هناك بعض الأعمال البحثية يتم تنظيمها من قبل دائرة موقع بسياء وسلّوت الأثري من خلال مركز الزوار، ويتم في بعض الحالات الاستعانة ببعض الباحثين من خلال مشاريع بحثية مشتركة، حيث أطلقنا خلال العام الحالي 2026 مشروع حصر وتوثيق الرسومات الصخرية في منطقة بسياء وسلّوت وأدخلنا معرفين من أبناء المجتمع المحلي الذين لهم دراية بالمواقع التي توجد بها تلك الرسومات في الجبال والأودية والتلال الصخرية ، وسننتقل بعد الانتهاء من هذه المرحلة إلى مرحلة تحليل الرسومات الصخرية ومحاولة تحديد فتراتها الزمنية .
وتطرق إلى جهود تأهيل الموقع الذي ابتدأ بإنشاء مركز الزوار في فبراير من عام 2023 وقال:” تم تأهيل مسارات الزوار وتبليطها إلى الشواهد الأثرية مثل حصن سلّوت ومدافن العصرين البرونزي والحديدي وإلى مدينة سلّوت وبرج الألف الثالث، وسننتقل خلال العام الحالي إلى تهيئة نقاط توقف الزوار لتضم شروحات علمية بطرق مبسطة، وبدأنا في النصف الثاني من العام الماضي بأعمال التأهيل والصيانة والترميم في بعض المواقع وتستمر حتى نهاية شهر فبراير الجاري في حصن سلّوت، وتأهيل بعض الشواهد على مسار الزوار في الموقع، وكذلك ترميم بعض الحوائط والغرف في المدينة المحاذية لحصن سلّوت، وسيتم قريبا الانتهاء من مشروع تصميم وإنتاج محتويات فنية تقوم به شركة عُمانية محلية للشاشات بمختلف أنواعها في مركز الزوار خلال شهر فبراير الجاري بهدف تسهيل وصول المعلومة واستخدام التقنيات الحديثة لعرض المقتنيات المكتشفات الأثرية التي لم تعرض سابقًا في صناديق العرض المتحفي، ليتم التعريف بها في الشاشات الموجودة في المركز، كما تم تجهيز فصل ميداني يتيح إقامة الدورات التدريبية والمعسكرات والمخيمات وذلك في مزرعة النخيل الواقعة ضمن إحرامات الموقع والتي خصصت للبرامج التي تجمع بين التطبيقات الفصلية والميدانية ، وقد تم تنفيذ عدد (79) برنامجاً وفعالية منذ افتتاح المركز إلى نهاية العام الماضي استفاد منها 6230 شخصًا من مختلف الفئات العمرية”.
وذكر البرامج والفعاليات المقرر تنفيذها خلال العام الحالي 2026 ومن بينها تنفيذ ملتقى المدارس المنتسبة لليونسكو، والنسخة الثانية من ملتقى سلّوت للتصوير الضوئي، إضافة إلى عدد من الفعاليات بإشراك المجتمع المحلي والبرامج التدريبية والفنية التي تهدف إلى الترويج للموقع والتعريف بمركز الزوار والمواقع الاثرية وتبادل الخبرات والاطلاع على التجارب المختلفة.
جدير بالذكر أن المكتشفات الأثرية التي تم العثور عليها في موقع بسياء وسلّوت جميعها دلّت على التواصل الحضاري بين عُمان وحضارات العالم القديم، ومن أهمها أختام ذات تأثيرات من حضارة بلاد وادي الاندس في الهند، وتماثيل الأفاعي وقطع لدمى من مختلف الأشكال منها دمى لحيوانات يظهر تأثرها بحضارة بلاد السند، ومجموعة من الأواني الفخارية، ومن القطع المهمة المكتشفة في عام 2025/2024 مجموعة من التمر ونوى التمر المتفحم عثر عليها في موقع الظبي المؤرخ في الألف الثالث قبل الميلاد.













