تحقيقات وتقارير وحواراتتقرير

” جائزة اليونسكو – السلطان هيثم لصون التراث الثقافي غير المادي”.. استنطاق للوعي الفكري وأداة ترسخ لمبادئ الإبداع الإنساني

أصـــداء /العُمانية

تكتسب جائزة اليونسكو – السلطان هيثم لصون التراث الثقافي غير المادي، وجودها في كونها استنطاق وحضور جوهري للوعي الفكري الإنساني، فهي تأتي لتشكل أداة ترسخ المبادئ الأساسية للفكر والإبداع الإنساني، وتعمل على إيجاد محرك حقيقي لحفظ ماهية التاريخ البشري.

وتأتي الجائزة تحقيقًا للاهتمام السامي لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم – حفظه الله ورعاه – بالتراث الثقافي وادراكا لأهمية هذا التراث باعتباره رمزا للهوية البشرية ومرجعا لها.

وتعد الجائزة في بعُدها القيمي أحد أهم المبادرات العالمية الداعمة للإسهامات الثقافية البارزة على الصعيد الدولي للأفراد والمؤسسات والمنظمات والمراكز والمعاهد العلمية والثقافية والهيئات الحكومية وغير الحكومية العاملة في مجال التراث الثقافي والإنساني، حيث ستسهم في تقدير جهودهم واسهاماتهم الثقافية في مجال التراث الثقافي غير المادي، كما ستحقق العديد من الجوانب التي تخدم الجهود الثقافية لسلطنة عُمان على الصعيد الدولي.

وستسهم الجائزة في إبراز الدور الحضاري والثقافي الذي تقوم به سلطنة عُمان في مجال التراث الثقافي غير المادي، وتحقيق والوعي الدولي بالمكانة الحضارية والثقافية لسلطنة عُمان ودورها في الحوار الثقافي وانعكاساته الإيجابية، كما ستعمل على تبني أول المبادرات الدولية للاهتمام بالتراث الثقافي غير المادي على صعيد جوائز اليونسكو من خلال سلطنة عُمان، وإثراء مشاريع التنمية المستدامة لمجالات التراث الثقافي غير المادي، بناءً على ما ستتنافس عليه المؤسسات التي تعمل في هذا المجال، ما سيعزز الابتكار والابداع في مجالات التراث الثقافي غير المادي. كما ستعمل الجائزة على دعم البحث العلمي وإثراء الابتكار في مجال التراث الثقافي غير المادي، وتعزيز الجوانب التربوية والتعليمية المعززة للوعي بأهمية التراث الثقافي غير المادي للأجيال المتلاحقة، واستدامة الابداعات الإنسانية وتناقلها عبر الأجيال.

في هذا السياق قالت المكرمة الدكتورة عائشة بنت حمد الدرمكي عضو مجلس الدولة: لطالما عملت سلطنة عُمان للحفاظ على تراثها الثقافي وصونه؛ لأنه لا يمثِّل تاريخها الحضاري وحسب، بل مستقبلها وحاضرها الذي تنطلق منه التنمية الإنسانية، وتتعزِّز به مبادئها الحديثة وتصون به انفتاحها على العالم المتغيِّر، فالتراث الثقافي في عُمان قوة تاريخية ومجد حضاري وعمق فكري، تتأسَّس وفقه التنمية الاجتماعية، وتتطوَّر به أنماط الثقافة الحديثة، ليكون نافذتها إلى العالم.

وأضافت: ولأن التراث الثقافي موردا للتنمية المستدامة ومحتوى أصيلا لمهارات الإبداع والابتكار، التي تقود قاطرة المستقبل، فإن إطلاق جائزة للتراث الثقافي في منظمة اليونسكو تحمل اسم حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق – حفظه الله ورعاه –، تعكس الفهم العميق والوعي الحصيف الذي تتميَّز به عُمان، في نظرتها الثاقبة لأهمية التراث الثقافي للأمم وضرورة صونه وحمايته من ناحية، والمساهمة التي يُقدمها في دعم التنمية الإنسانية، والإمكانات التي يوفِّرها للقطاعات المعرفية والتقنية إضافة إلى مزاياه الاستثنائية التي تعتمد عليها قطاعات واعدة مثل السياحة والصناعات الإبداعية وغيرها.

وأكدت أن إطلاق هذه الجائزة جاء في هذا التوقيت لتكون رسالة سلطنة عُمان إلى العالم، ودعوتها إلى السلام والتفاهم والتشارك؛ فالتراث الثقافي دائما ما يوصف أنه (إنساني)، لأنه يعبِّر عن فكر الإنسانية وعمق وجودها في هذا العالم، بما يرمز إليه من تاريخ وحضارة تشترك فيها الأمم.

وأشارت إلى أن سلطنة عُمان في تأسيسها لهذه الجائزة في توقيت يعج فيه الضجيج وأصوات الرصاص والقصف والدمار في كثير من بلدان العالم، تعبِّر عن دعوتها الصريحة إلى الرجوع للتاريخ الإنساني المشترك، الذي يمثَّل قوة الإبداع والفكر وبناء الحضارات.

وقالت أيضا إن جائزة السلطان هيثم للتراث الثقافي، توفِّر بيئة خصبة لدول العالم لصون تراثها الإنساني، وتشجِّع الباحثين والمشتغلين والمبدعين في مجالات التراث الثقافي في كافة دول العالم إلى المساهمة الفاعلة في جمع تراثهم الثقافي، ودراسته وتحليله، وتطوير الأنماط الإبداعية والابتكارات المستفيدة من تلك المجالات، والتي تُسهم في دعم أهداف التنمية المستدامة في الدول، فهذه الجائزة هدية عُمان إلى العالم لصون تراثهم الإنساني، ودعوتها إلى تمثُّل ذلك التراث بوصفه رسالة سلام وتعايش بين دول العالم.

من جانبه قال الدكتور محمود بن عبدالله العبري أمين اللجنة الوطنية العُمانية للتربية والثقافة والعلوم: تعرّف منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، التراث الثقافي غير المادي على أنه: “الممارسات والتصورات وأشكال التعبير والمعارف والمهارات، وما يرتبط بها من آلات وقطع ومصنوعات وأماكن ثقافية، التي تعتبرها الجماعات والمجموعات وأحيانًا الأفراد، جزءًا من تراثهم الثقافي” ويطلق عليه أيضًا التراث الحي. وقد انضمت سلطنة عُمان إلى اتفاقية صون التراث الثقافي غير المادي باليونسكو، والتي يطلق عليها اتفاقية (2003) في العام 2005م؛ بهدف تعزيز الهُوية الثقافية، وحماية الفنون الشعبية والحِرف التقليدية والمعارف المرتبطة بها من الاندثار، وضمان استدامتها للأجيال القادمة، إضافة إلى تعزيز حضورها الدولي عبر تسجيل عناصر من تراثها في قائمة اليونسكو، بما يتوافق مع “رؤية عُمان 2040” ودورها الفاعل في التعاون الإقليمي والدولي في مجال التراث الثقافي غير المادي.

وأكد أن جهود سلطنة عُمان جاءت متسقة مع هذا النهج، عن طريق إصدار قانون التراث الثقافي وتحديثه، وإعداد الاستراتيجية الثقافية الوطنية التي تولي أهمية كبيرة لصون التراث غير المادي.

وبيّن بقوله إنه فيما يتعلق بجائزة اليونسكو – السلطان هيثم لصون التراث الثقافي غير المادي، فإنها تكتسب أهمية استراتيجية بالغة من خلال قدرتها على الإسهام الفعّال في برامج اليونسكو، وتعزيز مواءمتها مع توجهات وأولويات اليونسكو العالمية. كما تراعي المساواة بين الجنسين وفئة الشباب في جميع الجوانب المتعلقة بالجائزة، فضلاً عن مراعاة أولوية اليونسكو العامة المتمثلة في أفريقيا بفعالية من خلال جذب ملفات ترشيح عالية الجودة من منطقة أفريقيا مع الحفاظ على التوازن في تمثيل جميع المناطق. كما تبرز الجهود المجتمعية الرامية إلى صون هذا التراث وتوطيد الدور الذي تضطلع به اليونسكو في تعزيز التنوع الثقافي والتلاحم الاجتماعي والتنمية المستدامة والسلام.

وأوضح في سياق حديثه أن سلطنة عُمان أدرجت 17 من العناصر الثقافية العمانية ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية باليونسكو، هي: فن البرعة (2010)، العازي (2012)، التغرود (2012)، العيالة (2014)، الرزفة (2015)، الفضاءات الثقافية للمجالس (2015) القهوة العربية (2015)، عرضة الخيل والإبل (2018)، النخلة والممارسات المرتبطة بها (2019)، سباقات الهجن (2020)، الخط العربي (2021) حداء الإبل (2022) الخنجر (2022)، وطبق الهريس (2023)، الحنا (2024)، البشت (2025)، الكحل (2025)، كما سجلت عنصر “برنامج سفينة «شباب عُمان» للسلام والحوار الثقافي المستدام” عام (2024) في برنامج أفضل ممارسات الصون.

وأشار إلى أن سلطنة عُمان تأتي في المرتبة الثانية على المستوى العربي من حيث عدد الملفات المسجلة في القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي لدى منظمة اليونسكو بالإضافة إلى ذلك، شهدت مدينة مسقط في عام 2023 مراجعة الاستراتيجية العربية لصون التراث الثقافي غير المادي، التابعة للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألكسو)، والمعروفة باسم “إعلان مسقط”. وتهدف الاستراتيجية إلى تعزيز الهُوية الثقافية العربية والإسلامية، وضمان حفظ وصون التراث غير المادي.

وتأتي مصادقة سلطنة عُمان على اتفاقية 2003 لصون التراث الثقافي غير المادي في سياق أوائل الدول التي انضمت للاتفاقية، وتعنى وزارة الثقافة والرياضة والشباب بتنفيذ الاتفاقية وتسجيل مفردات وعناصر التراث الثقافي غير المادي في قوائمها الثلاث وهي القائمة التمثيلية للتراث القافي غير المادي للبشرية وقائمة التراث الثقافي غير المادي للصون العاجل وقائمة أفضل ممارسات الصون التي تشمل البرامج والمشروعات والأنشطة التي تجسد مبادئ الاتفاقية وأهدافها.

كما حققت سلطنة عُمان منذ انضمامها الى الاتفاقية عدد من الإنجازات المتمثلة في عضوية اللجنة الحكومية الدولية للاتفاقية خلال الفترة 2008 – 2012م، وعضوية لجنة خبراء تقييم الملفات خلال الفترة 2018 – 2021م، وتسجيل 18 عنصرا من عناصر التراث الثقافي غير المادي كملفات وطنية ومشتركة وانشاء قائمة الحصر الوطنية والتي تحتوي على 8 أبواب وهي الفنون الشعبية، العادات والتقاليد، الحرف التقليدية، الاكلات الشعبية، والقصص والحكايات الشعبية، العمارة الطينية، الألعاب الشعبية، الأزياء التقليدية، وتنظيم عدد من برامج بناء القدرات على المستوى المحلي للباحثين والمهتمين بالمجال الثقافي وعدد من الحلقات العلمية المحلية للالتقاء بالممارسين لعناصر التراث الثقافي غير المادي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى