
الهواياتُ الشّخصيّة لدى الشّباب.. ضرورةٌ إنسانيّةٌ في عالم مُتسارع
أصـــداء/العُمانية
تعدُّ الهِوايات الشّخصية ظاهرة إنسانيّة تتجاوز حدود الترفيه التقليدي، فهي ركيزة أساسية لتحقيق التوازن النفسي والنمو الذاتي، وفي الوقت الراهن المعاصر الذي تسيطر عليه المعايير والتوجهات المادية ولغة الأرقام، تبرز أهمية العودة إلى تلك المساحات التي من الممكن أن نطلق عليها بالوجدانية ـ إن صح التعبير ـ فهي تمنح الفرد فرصة للتخلص من ضغوطات اللحظة المُتسارعة. فهذه الهِوايات هي الملجأ المُحكم الذي يُعيد ترتيب الفوضى داخل الانسان، حيثُ تُساعده على إعادة نسج العلاقة بينه وبين ذاته، وتوجد هُويّة شخصيّة ذات معنى حقيقي، بعيدًا عن ضجيج الحياة اليوميّة، فلا تُصبح الهِواية مُجرد رفاهيّة، بل ضرورة خفيّة يحتاجها الإنسان.
في هذا السياق يعبّر الفنان التشكيلي العُماني سالم بن خميس السلامي عن الهِواية الشغوفة كونها أداة جيّدة لتجديد الذات، فهي تُساعد على إعادة بناء الهُويّة الشخصيّة بعيدًا عن ضغوط العمل. وأضاف: هُناك أمر مُهمّ جدًّا، وهو أنّ الهواية وُلدت معي منذ البدايات الأولى للطفولة، أي أنني لم أبحث عن الرسم بقدر ما كان الرسم هو من يبحث عني، فمن هذا المُنطلق أجد نفسي متعلقّا بشدة في فكرة كوني أحمل صفة الرسّام أو بما يُسمى بـ (الفنان التشكيلي)، وهي صفة تُحمّلني المسؤوليّة تجاه نفسي ومُحيطي القريب والبعيد في آنٍ واحد”.

ووضح: الرسم هو بمثابة المساحة الخاصة بالنسبة لي، هو مُعترك سلمي يقودني دائمًا إلى نتيجة إبداعيّة تُثري الذائقة البصريّة في المُجتمع، والرسم هو إحدى الأدوات التي تعزّز مفهوم (الصورة أبلغُ من الحديث)، ومتى ما فهم الفنان هذه المقولة سينعكس ذلك تلقائيًّا في طريقة تفكيره وبحثه عن الجديد.
وأضاف: في ظل الضجيج الحاصل في مرحلتنا الحاليّة في شتى مناحي الحياة، ينأى الفنان بنفسه في سياق هِوايته مُستعينًا بأدواته من ألوان وفرشاة ولوحٍ أبيض ليُترجم بها أحاسيسه ومشاعره، مختصرًا بذلك مئات الكلمات”.
وأشار السلامي في حديثه عن ملكة الفن والرسم: الجميل في موهبة الرسم أنها تمنح صاحبها مساحة واسعة من التأمل في الطبيعة من حوله، وهذا يُعطيه رؤية مُختلفة تمامًا عن الآخرين، فمُشاهدته لـ شروق الشمس مثالًا لا تُعدُّ لحظةً عابرة، بل فرصة ذهبيّة لتجديد أداة التأمل والاستلهام لديه، ففي كل يوم يرى هذا المشهد كأنها المرّة الأولى، وهذه دلالة على انشغال الفنان بنفسه وبملكاته الإبداعيّة وهذا جانب يمنح الشخصيّة استقلاليّة واتزان”.
ووضح أن الفنان المُجرِّب والشغوف يفهم جيدًا أنّ الرسم ليس مُجرد سلوك ميكانيكيّ، بل شعور شامل بين الحركة الذهنيّة والميكانيكيّة في آنٍ واحد، فالجانب الذهنيّ هو المُحرِّك الأساسيّ في الإنتاج الإبداعيّ لدى الفنان، وهو جانب يعمل طيلة الوقت دون توقف، وهذا في رأيي يُساعد شخصيّة الفنان في تحسين حالته النفسيّة، فالصورة الذهنيّة التي يصل إليها الفنان ثم تجسيدها في أرض الواقع، يُشعره بالارتياح والإنجاز وهذه جميعها مشاعر إيجابيّة تعطيه مُؤشّرًا بفاعليّته”.
وبيّن أن الرسم يبقى من أجمل أشكال الفن وأداة مُتاحة للتجديد، ففي ظل العالم المُتسارع والذكاء الاصطناعي، تعظُم أهميّة هذا الفنّ في الخروج بقالب مُتجدد بعيدًا عن المألوف.
وفي الشأن الموسيقي وبيان لغة هواية العزف كونها حافزًا للاستقرار النفسيّ يقول عبد المنعم بن عيسى القاسمي – عازف موسيقيّ: أعدّ نفسي من الشغوفين بالمُوسيقى، إذ لم يقتصر اهتمامي على آلة واحدة، بل خضت تجارب مُتعدّدة مع عدد من الآلات الموسيقيّة، من بينها البيانو، والكمان، والجيتار، والكلارنيت، إلى جانب العود الذي يُعد آلتي الأساسيّة، وقد وصلت فيه إلى مُستوى مُتقدم يعكس خبرتي وتمكني”.
وأشار إلى أنه لا بد من التنويع في أدوات الهواية الواحدة، فهو ينعكس بصورة إيجابيّة وفاعلة على مُجربيه، وهذا التنوع يعكس شغفي العميق باستكشاف الألوان المُوسيقيّة المُختلفة، وسعيي المُستمر إلى تنمية إحساسي الفنيّ وتوسيع آفاقيّ، أنّ هذا التعدّد لم يكن بدافع الاحتراف أو الكسب الماديّ، بل نابع من فضولٍ وشغفٍ حقيقيين فكل آلة منحتني تجربة فريدة أسهمت في صقل مهاراتي وتعميق فهمي للمُوسيقى، فضلًا عن تعزيز تواصلي مع ذاتي.
ووضح أن العود رغم هذا التنوّع في التعامل مع الموسيقى، يظل الأداة الأصدق في التعبير عن مشاعري، لما يحمله من طابع شرقي أصيل يلامس وجداني، ويجسّد المرحلة المُتقدّمة التي وصلت إليها في رحلتي الموسيقيّة.
وعند التركيز على هواية التصوير الفوتوغرافيّ، يقول المصور الضوئي علي بن ناصر الوردي: بالنسبة لي، التصوير فنٌّ قائم على المُلاحظة، إذ إنّه يتعلّق بإيجاد شيء مُثير للاهتمام في مكان عادي، لقد وجدت أنه لا علاقة له كثيرًا بالأشياء التي تراها، بل بكيفيّة رؤيتك لها، فالتصوير ليس مُجرد صور خالدة، بل هُو فنٌ مُتكامل يُمكن أن يُسهم بشكلٍ كبير في تطويرنا الشخصيّ.
وأضاف أنه كثيرًا ما يُنظر الى التصوير الضوئي على أنّه منفذ إبداعيّ أو وسيلة لتوثيق الذكريات، إلا أنّ تأثيره الأعمق يكمن في كيفيّة تشكيله للشخص الذي يقف وراء العدسة، فإلى جانب الجماليات، يلعب التصوير الفوتوغرافي دورًا مهمًّا في التنمية الشخصيّة من خلال صقل سمات داخليّة كالصبر والمُلاحظة والتأمل.
وذكر الوردي شيئا من واقع تجربته ومُمارسته فقال: من أهم الصفات التي أنميتُها من مهنة التصوير الضوئي هي الصبر، فنادرًا ما ألتقط صورة آسرة على عجل، بل يتطلب ذلك انتظار الضوء المُناسب واللّحظة المثاليّة والتكوين الأمثل سواء أكانت شروق الشمس أو غروبها أو تعبيرًا إنسانيًّا عفويًّا، فإن التصوير يُدرّبني على التروّي وتقدير التوقيت، هذه المُمارسة المُتكررة للانتظار والمُلاحظة تُنمّي قدرتي على التحمّل والتحكّم العاطفي، وتشجعني على أن أكون أكثر ترويًّا وأقل اندفاعًا في المواقف الإبداعيّة واليوميّة على حد سواء”.
وأضاف أن التصوير جعلني أكثر تأمّلًا ووعيًا، فقد أصبحتُ ألحظ التفاصيل الصغيرة التي كان من السهل أن تمرّ دون انتباه؛ كاختلاف الظّلال أو تعابير الوجوه العابرة أو حتى انسجام الألوان في مشهدٍ بسيط، هذه المُلاحظة العميقة لم تغّير نظرتي للصور فقط، بل غّيرت طريقتي في فهم الأمور وتحليلها”.
وعن مُمارسة الهواية بعيدًا عن الربح المادي والتي ساعدت على منحه فرصة أكبر لاكتشاف النفس بعيدًا عن نظرة المُجتمع، قال: ” الابتعاد عن السعي للربح أو الإعجاب الخارجيّ يُخفف من الضغط، ويجعل التجربة أكثر صدقًا وراحة، في هذه الحالة لا يعود المُصوّر بحاجة لإرضاء الآخرين، بل يسعى لإرضاء نفسه وفهمها بشكل أعمق، فالتصور الضوئي ليس مُجرد هواية، بل فنٌّ يُنمّي الصبر ويُعمّق التأمل ويُعزز الوعي الفكريّ، فمن خلال التفاعل مع العالم عبر عدسة الكاميرا، يكتسب الأفراد رؤيةً وتفكيرًا راقيين، مما يُؤدي في نهاية المطاف إلى فهمٍ أعمق وأكثر شمولًا لأنفسهم ولمُجتمعهم.
من جانبها، تقول الفنانة التشكيلية والنحاتة خلود بنت خلفان الشعيبي: النحت يمنحني شعورًا بالحريّة كونه يتيح لي التعبير عن أفكاري ومشاعري بحرّية تامة، بعيدًا عن قيود السوق والربح، فالنحات عندما يقوم بعملية النحت، هو أيضا يصنع شيئًا فريدًا يعكس رؤيته الخاصة به، وليس ما يطلبه الآخرون. هذا يحرّر الفنان من ضغوط تحويل الموهبة إلى سلعة، ويركز على مُتعة الإبداع والابتكار، وهذا لا يمنع من استقبال الطلبات وتنفيذها للمؤسسات والأشخاص”. وأشارت “خلود” إلى أهميّة البيئة الداعمة في صقل الشغف واستمراره كحافز صادق: بالنسبة لي، فهي تلعب دورًا حيويًّا في دعم شغفي، فهي توفر بيئة داعمة للفنانين، تُمكنهم من تبادل الخبرات، وتعلّم تقنيات جديدة، وعرض أعمالهم، وتساعد على بناء مُجتمع فنيّ قويّ، يشجع على الاستمرار ويحفز على الإبداع كقيمة إنسانيّة نبيلة.













