تحقيقات وتقارير وحواراتتقرير

أوزبكستان في مركز التكامل الاقتصادي للفضاء التركي 

 طشـقـنـد/ أصـــداء

 

الأجندة الاقتصادية لأوزبكستان الجديدة تكتسب بُعدًا إقليميًا تتزايد أهمية الفضاء التركي أيضًا على خلفية التغيرات في منظومة اللوجستيات العالمية. إذ تشكّل دول منظمة الدول التركية أحد أكبر المحاور البرية في أوراسيا، حيث تربط آسيا الوسطى بالقوقاز وتركيا والأسواق الأوروبية.

ويضم فضاء المنظمة أكثر من 170 مليون نسمة، ويتمتع بإمكانات اقتصادية كبيرة. ففي عام 2025 بلغ إجمالي الناتج المحلي الاسمي لدول المنظمة نحو 2.3 تريليون دولار، أي ما يعادل حوالي 2% من الاقتصاد العالمي. أما وفقًا لتعادل القوة الشرائية فقد تجاوز المؤشر 6.2 تريليون دولار، بما يمثل 3.4% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. كما تجاوز إجمالي حجم التجارة الخارجية لدول المنظمة 1.2 تريليون دولار.

وتبلغ احتياطيات الغاز المؤكدة في دول المنظمة نحو 19.9 تريليون متر مكعب، واحتياطيات النفط 38.2 مليار برميل، ما يجعل المنطقة أحد المراكز الطاقوية البارزة في أوراسيا.

ويتميز الفضاء التركي بدرجة عالية من التكامل الاقتصادي؛ فتركيا والمجر تمتلكان قاعدة صناعية وهندسية متطورة، بينما تمتلك كازاخستان وأذربيجان وتركمانستان موارد طاقة ضخمة، في حين تعزز أوزبكستان وقرغيزستان موقعيهما في الصناعات التحويلية والقطاع الزراعي الصناعي.

وعلى هذه الخلفية، أصبحت أوزبكستان واحدة من أكثر دول المنطقة ديناميكية في التنمية. وخلال السنوات الخمس الماضية، تقدمت البلاد 28 مرتبة في “أطلس التعقيد الاقتصادي” لجامعة هارفارد، لتحتل المرتبة السبعين بين 145 دولة. وبلغ متوسط النمو السنوي للصادرات 13.4%، بينما ارتفعت الصادرات غير النفطية بمتوسط 17% سنويًا، متجاوزة المعدلات الإقليمية والعالمية.

وفي هذا السياق، تكتسب منظمة الدول التركية أهمية اقتصادية عملية، حيث يمكن للتجارة والنقل والتعاون الصناعي والاستثمارات والرقمنة أن تشكل أساسًا جديدًا للترابط الإقليمي.

التجارة والتعاون الصناعي

يغطي تعاون أوزبكستان ضمن إطار المنظمة اليوم أكثر من 35 مجالًا، مع تنامي المكوّن الاقتصادي لهذا التعاون.

وخلال السنوات التسع الماضية ارتفع حجم التبادل التجاري بين أوزبكستان ودول المنظمة بمقدار 2.7 مرة، من 4 مليارات دولار عام 2017 إلى 10.8 مليارات دولار عام 2025. وارتفعت الصادرات من 1.2 مليار دولار إلى 3.8 مليارات دولار، بينما زادت الواردات من 1.8 مليار إلى 7 مليارات دولار.

وتبقى كازاخستان وتركيا أكبر شريكين تجاريين لأوزبكستان داخل المنظمة. إذ تستحوذ كازاخستان على 46% من إجمالي التبادل التجاري بما يعادل نحو 5 مليارات دولار، فيما تبلغ حصة تركيا 28% أو حوالي 3 مليارات دولار. كما تسجل التجارة مع تركمانستان وقرغيزستان حجمًا ملحوظًا يبلغ نحو 1.2 مليار دولار لكل منهما.

كما يشهد هيكل التجارة تغيرًا تدريجيًا. ففي صادرات أوزبكستان إلى دول المنظمة تستحوذ السلع الصناعية على 28.2%، والآلات ومعدات النقل على 19%، والمواد الغذائية على 11.1%، والمنتجات الكيميائية على 10%، والخدمات على 12.7%. ويُلاحظ انتقال تدريجي نحو نموذج أكثر تعقيدًا يقوم على تنامي إنتاج السلع النهائية والخدمات والتعاون الإنتاجي.

أما الواردات من دول المنظمة فترتبط بدرجة كبيرة باحتياجات الاقتصاد الأوزبكي المتطور، وتشمل أساسًا المواد الغذائية والوقود المعدني والسلع الصناعية والآلات والمعدات، ما يعكس توسع الروابط الإنتاجية.

وبحسب تقديرات مركز الدراسات والإصلاحات الاقتصادية، تمتلك أوزبكستان إمكانية زيادة صادراتها إلى دول المنظمة بمقدار إضافي يصل إلى 2.7 مليار دولار، ويتركز الجزء الأكبر من هذا الإمكان في السوق التركية، حيث يقدّر بحوالي 1.8 مليار دولار.

ويستند هذا التوسع إلى المزايا التنافسية لأوزبكستان في عدد من الفئات السلعية، خاصة المنتجات الزراعية بما في ذلك الفواكه المجففة والخضروات والمكسرات.

ويُقدّر حجم سوق المنتجات الزراعية في دول المنظمة بنحو 72 مليار دولار، حيث رسخت المنتجات الأوزبكية بالفعل مواقع مستقرة.

كما يشير التحليل إلى إمكانية تحقيق نمو إضافي في الصادرات من خلال توريد منتجات النسيج والصناعات الكهربائية ومواد البناء والمواد الغذائية والأسمدة والنحاس وبوليمرات الإيثيلين وغيرها من السلع ذات القيمة المضافة الأعلى.

الاستثمارات والقاعدة المؤسسية للتعاون..

يترافق التكامل التجاري داخل المنظمة مع تعميق التعاون الاستثماري والإنتاجي. وخلال الفترة من 2017 إلى 2025 تجاوز إجمالي استثمارات دول المنظمة في الاقتصاد الأوزبكي 11.5 مليار دولار، منها 3.8 مليارات دولار تم جذبها في عام 2025 وحده. وقد تركزت الاستثمارات أساسًا في الصناعات التحويلية والطاقة والزراعة والبناء والخدمات اللوجستية.

وحتى أبريل 2026، يعمل في أوزبكستان أكثر من 4.5 آلاف شركة برأسمال من دول المنظمة.

ويتم إنشاء مشاريع إنتاج مشتركة ومشاريع لوجستية وروابط تعاونية تستهدف الأسواق الإقليمية والخارجية على حد سواء.

وتبقى تركيا المستثمر الأكثر نشاطًا، إذ بلغ حجم الاستثمارات التركية في عام 2025 نحو 2.4 مليار دولار، بينما وصل عدد الشركات ذات رأس المال التركي في أوزبكستان إلى 2140 شركة. ويشارك قطاع الأعمال التركي بفاعلية في تطوير الصناعة وقطاع البناء وصناعة النسيج والبنية التحتية للنقل والخدمات اللوجستية.

كما تظل كازاخستان، بصفتها أكبر شريك تجاري لأوزبكستان بين دول المنظمة، أحد أهم المشاركين في التعاون الاستثماري، حيث تنشط أكثر من 1200 شركة ذات رأس مال كازاخستاني في الجمهورية.

ومن العوامل المهمة في تنشيط التعاون الثنائي توقيع معاهدة العلاقات التحالفية بين أوزبكستان وأذربيجان عام 2024، ما أسفر عن عمل 367 شركة بمشاركة رأس المال الأذربيجاني داخل أوزبكستان.

أما صيغة الشراكة الاستراتيجية الشاملة مع قرغيزستان فقد أسهمت في رفع عدد المشاريع المشتركة إلى 346 شركة.

ورغم العدد المحدود نسبيًا للشركات ذات رأس المال المجري، فإن المشاريع المنفذة تتسم بضخامة الحجم والتكنولوجيا المتقدمة، ومنها إنشاء مجمعات للدواجن في ولاية سيرداريا بقيمة 165 مليون دولار، وبناء محطات معالجة مياه في “طشقند الجديدة” بقيمة 59 مليون دولار.

ويشكّل “صندوق الاستثمار التركي” آلية إضافية لدعم المشاريع المشتركة. ففي عام 2025 تمت زيادة رأسماله من 500 إلى 600 مليون دولار، فيما بلغت مساهمة أوزبكستان 100 مليون دولار.

ومن المتوقع أن يصبح الصندوق أداة مهمة لتمويل مشاريع البنية التحتية والصناعة والخدمات اللوجستية والتحول الرقمي داخل فضاء المنظمة.

وبالنسبة لأوزبكستان، يرتبط التعاون الاستثماري داخل المنظمة بتدفق رؤوس الأموال، وتطوير الصناعات التصديرية، وتوطين التكنولوجيا، وتوسيع التعاون الصناعي، والاندماج في سلاسل القيمة الإقليمية.

التكامل في مجال النقل..

بالنسبة لأوزبكستان، التي لا تمتلك منفذًا مباشرًا إلى البحر، فإن تطوير الترابط في قطاع النقل يعد من أهم شروط توسيع التجارة الخارجية والاندماج في سلاسل الإنتاج الدولية.
لهذا أصبحت أجندة النقل أحد المحاور الرئيسية للتعاون الاقتصادي داخل المنظمة.
ويرافق نمو التجارة بين الدول الأعضاء توسع ملحوظ في تدفقات النقل.

ويظل النقل مع كازاخستان الأكثر كثافة، حيث تمر عبر أراضيها المسارات البرية الرئيسية لأوزبكستان نحو روسيا والقوقاز وأوروبا. ووفق نتائج عام 2025 تجاوز حجم الشحن بين البلدين 22.3 مليون طن، منها 19.6 مليون طن عبر السكك الحديدية.

كما يشهد الاتجاه القرغيزي ديناميكية عالية؛ إذ ارتفع حجم الشحن مع قرغيزستان خلال العام الماضي بنسبة 22.4% ليصل إلى نحو 5.4 ملايين طن، بينما تضاعفت صادرات النقل بجميع أنواعه أكثر من مرتين.

ويتوسع أيضًا التعاون في مجال النقل مع أذربيجان وتركيا. ففي عام 2025 ارتفع حجم الشحن بين أوزبكستان وأذربيجان بنسبة 28.3%، بينما يتم تشغيل 14 رحلة جوية أسبوعية منتظمة بين طشقند وباكو. كما يتميز النقل مع تركيا بكثافة عالية، حيث تُسيَّر 97 رحلة جوية أسبوعية منتظمة بين مدن البلدين عبر ثمانية مسارات تشمل إسطنبول وأنقرة.

وتظل تركمانستان أحد المحاور المهمة للنظام الإقليمي للنقل. ومن الخطوات العملية لتسهيل التجارة الحدودية إطلاق المنطقة التجارية المشتركة “شافات – داشوغوز”.
ووفق نتائج عام 2025 ارتفع حجم الشحن بين البلدين بنسبة 22.5% ليبلغ نحو 1.8 مليون طن.

ومع نمو التبادل التجاري داخل المنظمة، تزداد أهمية ضمان الترابط المتعدد الوسائط بين دول المنطقة، وتشكيل منظومة متكاملة للممرات التي تجمع بين السكك الحديدية والطرق البرية والطيران والبنية التحتية البحرية. وفي هذا السياق يكتسب “الممر الأوسط” عبر بحر قزوين أهمية خاصة.

فبالنسبة لأوزبكستان لا يمثل هذا المسار مجرد اتجاه عبور، بل فرصة لتوسيع صادراتها نحو أسواق أذربيجان وتركيا وأوروبا والشرق الأوسط.

وتتعزز أهمية تطوير المسارات الأوراسية البديلة على خلفية التحولات في اللوجستيات العالمية. فقد أدت إعادة تشكيل سلاسل النقل بسبب عدم الاستقرار الجيوسياسي إلى ارتفاع تكاليف النقل لدول آسيا الوسطى بنسبة تصل إلى 30%، وزيادة فترات التسليم لعدة أسابيع.

وفي هذا السياق تبرز الأهمية الاستراتيجية لمشروع سكة الحديد الصين – قرغيزستان – أوزبكستان، الذي يشكل محورًا جديدًا بين الشرق والغرب. ومن المتوقع أن يختصر المشروع مدة نقل البضائع إلى 10 أيام، مع إمكانية نقل 15 مليون طن سنويًا. وفي المستقبل، يمكن لربط هذا المسار بالممر الأوسط والاتجاه العابر لأفغانستان أن يخلق تكوينًا جديدًا للنقل في أوراسيا.

وفي مثل هذه المنظومة تستطيع أوزبكستان أن تؤدي دورًا لا يقتصر على العبور، بل يشمل المشاركة الكاملة في سلاسل القيمة الإقليمية عبر بضائعها ومراكزها اللوجستية وشركات النقل والمجمعات الصناعية الخاصة بها.

ومع ذلك، فإن تطوير التكامل في قطاع النقل يتطلب سياسة منسقة داخل المنظمة، خاصة فيما يتعلق بتوحيد التعريفات، وتطوير البنية التحتية الحديثة، وزيادة القدرة الاستيعابية للمسارات، وتطبيق الإجراءات الجمركية الرقمية، وتوحيد المعايير الفنية.

الأجندة الرقمية كبنية تحتية للتجارة..

إن موضوع القمة الحالية للمنظمة في تركستان، والمخصص للذكاء الاصطناعي والتنمية الرقمية، يرتبط مباشرة بالأجندة الاقتصادية. ففي التجارة الحديثة لم تعد القدرة التنافسية تعتمد فقط على جودة السلع أو المسافة إلى الأسواق، بل باتت سرعة الإجراءات وشفافية اللوجستيات والتوافق الرقمي بين الأنظمة وإتاحة المعلومات للشركات عوامل حاسمة.

وبالنسبة لدول المنظمة، يمكن أن يصبح التكامل الرقمي أحد أكثر مجالات التعاون عملية. فمواءمة معايير التجارة الإلكترونية، والاعتراف المتبادل بالوثائق الرقمية، وربط الأنظمة الجمركية المعلوماتية، وإنشاء سجلات رقمية للشركات، كلها عوامل قادرة على خفض تكاليف المعاملات وتسهيل دخول الشركات إلى أسواق الشركاء.

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة بالنسبة للشركات الصغيرة والمتوسطة، إذ تواجه العديد منها صعوبات لا تتعلق بالرسوم الجمركية بقدر ما ترتبط بنقص المعلومات حول الشركاء والمتطلبات والشهادات واللوجستيات وأدوات الدفع. ومن شأن منصة رقمية موحدة لأعمال دول المنظمة أن تصبح أداة عملية لتوسيع التجارة، خاصة في سلاسل التوريد الإقليمية والحدودية.

وقد راكمت أوزبكستان خلال السنوات الأخيرة خبرة كبيرة في رقمنة الخدمات الحكومية وبيئة الأعمال، ويمكن الاستفادة من هذه الخبرة داخل المنظمة، خاصة في مجالات الخدمات الإلكترونية والمنصات الرقمية والإدارة الجمركية ودعم ريادة الأعمال.

الخاتـمـة ..

تنتقل منظمة الدول التركية تدريجيًا نحو نموذج أكثر عملية للتعاون الاقتصادي. وبالنسبة لأوزبكستان، يتزامن هذا التحول مع مرحلة الإصلاحات الاقتصادية الحالية التي تستهدف توسيع الإمكانات التصديرية، وتطوير الصناعة، وتعزيز الارتباط بالأسواق الخارجية.

ومع تعمق التعاون الاقتصادي داخل المنظمة، يتزايد دور أوزبكستان في تشكيل الروابط التجارية والنقلية والإنتاجية الإقليمية. وخلال السنوات الأخيرة اكتسب التعاون داخل المنظمة بالفعل بُعدًا اقتصاديًا مستدامًا يشمل التجارة والاستثمارات والتعاون الصناعي والبنية التحتية للنقل والخدمات اللوجستية.

وفي هذه الظروف، ستتركز أجندة قمة المنظمة في تركستان على قضايا تطوير وتطبيق الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية، ما يعكس تنامي الطلب الإقليمي على صيغ حديثة للتعاون الاقتصادي، وخاصة رقمنة التجارة والخدمات اللوجستية، وتطوير الخدمات الإلكترونية، ودمج الحلول البنيوية، وتقليل تكاليف المعاملات داخل المنطقة.

وبذلك، يكتسب حضور أوزبكستان في القمة غير الرسمية للمنظمة مضمونًا اقتصاديًا عمليًا متزايدًا. إذ إن توسيع التجارة، وتطوير ممرات النقل متعددة الوسائط، وتعميق التعاون الصناعي، وتعزيز الاستثمارات والترابط الرقمي، كلها تشكل أساسًا لمزيد من الاندماج في سلاسل الإنتاج والخدمات اللوجستية الإقليمية في أوراسيا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى