
مازن البادي.. قصةُ نجاح شبابيّة تجسّد نضج بيئة الابتكار ومواكبة التحولات
أصـــداء /العُمانية
تعكس قصص نجاح الشباب العُمانيين المُبتكرين مدى تطور البيئة التنظيمية والقانونية الداعمة لريادة الأعمال والابتكار في سلطنة عمان التي تعود إلى التشريعات المرنة وبرامج الدعم الحكومي وحاضنات ومسرّعات الأعمال التي تعد مساحة آمنة لتجربة الأفكار وتحويلها إلى مشروعات حقيقية.
ويعد المبتكر المهندس مازن بن راشد البادي طالب هندسة كهربائية في جامعة التقنية والعلوم التطبيقية بشناص، أحد أبرز النماذج الشبابية العُمانية التي استطاعت أن تحوّل الشغف بالتقنية إلى مسيرة حافلة بالإنجازات والابتكارات النوعية. ومن خلال رؤيته الطموحة، يسعى إلى أن يكون في طليعة المبتكرين الذين يمثلون سلطنة عُمان في المحافل العالمية، مؤمنًا بأن الابتكار لم يعد خيارًا، بل ضرورة حتمية لمواكبة التحولات المتسارعة في العالم.
وبدأت رحلة البادي مع الابتكار في وقت مبكر، حيث قاده شغفه بالتقنية إلى استكشاف مجالات الهندسة والذكاء الاصطناعي، ومع مرور الوقت تحوّل هذا الشغف إلى مشروع متكامل قائم على البحث والتجربة والتطوير المستمر.

ولم تكن بداياته خالية من التحديات، بل واجه صعوبات في توفير الدعم والإقناع بجدوى أفكاره، إلا أن إصراره كان العامل الحاسم في استمراره وتحقيقه الإنجازات.
ومن أبرز ابتكاراته، تطوير روبوت ذكي مزود بالذكاء الاصطناعي والحساسات الحرارية، صُمم لرصد مواقع الحرائق والتوجه إليها تلقائيًّا لإخمادها بكفاءة عالية دون تدخل بشري. كما ابتكر روبوتًا طبيًّا يُعرف باسم “دكتور روبوت”، يهدف إلى تقليل العدوى داخل المؤسسات الصحية وحماية الكوادر الطبية، خاصة في أوقات الأزمات الصحية. كما قدم مشروعًا لإعادة تدوير مخلفات البناء، يهدف إلى تحويل النفايات إلى مواد قابلة للاستخدام مثل الطوب والأسفلت، مما يسهم في تقليل التلوث وتعزيز الاقتصاد الدائري وإيجاد فرص اقتصادية جديدة.
ووضح مازن البادي في حديث لوكالة الأنباء العُمانية أن الابتكار ليس مجرد فكرة بل هو إيمان بأن تطوير اليوم يصنع غدًا أفضل للشباب. وقال إن التمثيل الدولي والريادة العالمية العُمانية في “وادي السيليكون” ليس مجرد مشاركة، بل هو رسالةٌ للعالم أن الشاب العُماني يمتلك القدرة على المنافسة في “منبع التكنولوجيا” ، مؤكدا على أن المشاركة الدولية تمثل رسالة تؤكد على قدرة العقل العُماني على المنافسة عالميًّا، كما تسهم في كسر الحواجز النفسية لدى الشباب.
وفيما يخصّ الربط بين البحث العلمي والتطبيق الصناعي، أكد على أن البحث العلمي هو “الأساس المتين” الذي يرفع سقف المنافسة الدّولية مشيرا إلى أن تخصصه في الماجستير حول استخدام الأمواج فوق الصوتية والذكاء الاصطناعي لفحص السكك الحديدية هو تطبيق عملي لهذا الربط من خلال النتائج البحثية المتقدمة، ويمكن ابتكار أنظمة ذكية تتنبأ بالأعطال قبل وقوعها (صيانة استباقية)، مما يضمن كفاءة الأداء في المشروعات الهندسية الكبرى ويقلّل التكاليف التشغيلية بشكل مميز.

وفيما يخص بمسيرته في توطين الخبرات وبناء القدرات المحلية فقال: إن الخطوة العملية الأولى هي تهيئة التجارب الدولية؛ أي أخذ أفضل الممارسات التي رأيتها في وادي السيليكون وماليزيا وتطبيقها بما يتناسب مع البيئة العُمانية، ومن ثم نقل هذه الخبرات من خلال الحلقات التخصصية والمختبرات الابتكارية، لبناء قاعدة وطنية متينة تضمن استدامة الابتكار.
وفيما يخص استشراف المستقبل والتحولات التقنية، يرى البادي أن الذكاء الاصطناعي وهو المحرك الرئيس للابتكار، وأن الاستثمار في هذه التقنيات سيمكّن من معالجة التحدّيات الكبرى مثل الطاقة والأمن الغذائي والمائي، مؤكدا على أن الذكاء الاصطناعي سيكون الركيزة الأساسية في كل شيء؛ ومن يمتلك أدواته اليوم، سيمتلك زمام المبادرة في المستقبل لخدمة البشرية وتحقيق الرؤى الوطنية الطموحة.
وأشار المبتكر البادي إلى أنه يمكن للمبتكر العُماني أن يدمج بين التقنيات الحديثة والخصوصية الثقافية من خلال تبنّي منهجية “الابتكار المرتكز على الإنسان”، بحيث تُصمَّم التقنيات الحديثة، مثل الذكاء الاصطناعي والروبوتات، انطلاقًا من فهم عميق لطبيعة المجتمع العُماني واحتياجاته وقيمه. فالتكنولوجيا لا ينبغي أن تُستورد كحلول جاهزة، بل يجب تكييفها بما يتلاءم مع البيئة المحلية، سواء من حيث اللغة، أو العادات، أو طبيعة الاستخدام. وعلى سبيل المثال، “يمكن تطوير أنظمة ذكية تدعم اللغة العربية بلهجتها المحلية، أو روبوتات خدمية تراعي الخصوصية الاجتماعية في البيئات الصحية أو المنزلية” كما يمكن توظيف التقنيات في خدمة قطاعات حيوية تمس المجتمع بشكل مباشر، مثل التعليم، والرعاية الصحية، والخدمات الحكومية، بما يعكس هُوية عُمانية أصيلة في الشكل والمضمون.
وقال: تُعد الشخصية العُمانية، بما تتسم به من توازن واعتدال وانفتاح واعٍ، عنصرًا مهمًّا في تشكيل هُوية الابتكار فهي تجمع بين الأصالة والانفتاح على العالم، مما ينعكس في تقديم حلول تقنية تجمع بين الحداثة والقيم. وهذا التوازن يمنح الابتكار العُماني طابعًا فريدًا عند عرضه في المحافل الدولية، حيث لا يقتصر على الجانب التقني فحسب، بل يحمل رسالة حضارية تعكس ثقافة المُجتمع. فالمُبتكر العُماني لا يقدم منتجًا تقنيًّا فقط، بل يقدم نموذجًا يعكس هُوية وطنية قادرة على التفاعل مع العالم دون أن تفقد خصوصيتها.
وفيما يتعلق باستدامة الابتكار وجودة الحياة قال إنه يمكن توظيف التقنيات المتقدمة لتعزيز جودة الحياة، مثل الروبوتات والأنظمة الذكية، أن تُحدث تحولًا جذريًّا في تحسين جودة الحياة من خلال تقديم حلول عملية وفعالة في مختلف القطاعات. ففي المجال الصحي، يمكن للروبوتات أن تسهم في تقليل العدوى، وتحسين دقة التشخيص، وتقديم خدمات الرعاية عن بُعد. وفي المجال الخدمي، يمكن للأنظمة الذكية تسريع الإجراءات، وتقليل الوقت والجهد، وتحسين تجربة المستخدم. كما يمكن توظيف هذه التقنيات في مجالات السلامة، مثل أنظمة الإنذار المبكر، أو الروبوتات المخصصة للتعامل مع البيئات الخطرة، مما يسهم في حماية الأرواح إضافة إلى ذلك، تلعب التقنيات دورًا مهمًّا في تحسين جودة الحياة اليومية من خلال المنازل الذكية، وإدارة الطاقة، وتقليل الهدر، بما يعزز الاستدامة البيئية.

وأكد البادي على أن ضمان استمرار المشروعات الابتكارية يتطلب الانتقال من مرحلة “الفكرة” إلى “المنظومة المتكاملة” من خلال ربط الابتكار بالبحث العلمي، وتوفير بيئة داعمة تشمل التمويل، والتشريعات، والشراكات الاستراتيجية. كما أن تبنّي مفهوم “التطوير المستمر” يُعد أمرًا أساسيًّا، حيث يجب تحديث الأنظمة بشكل دوري لمواكبة التطورات التقنية. ومن المهم أيضًا بناء كوادر وطنية قادرة على إدارة هذه المشروعات وتطويرها، بما يضمن استدامتها وعدم اعتمادها على خبرات خارجية فقط إضافة إلى ذلك، يجب ربط الابتكارات باحتياجات السوق الفعلية، بحيث تتحول إلى منتجات قابلة للتطبيق التجاري، مما يضمن استمرارها وتحقيقها لقيمة اقتصادية حقيقية.

وفيما يخص دبلوماسيّة الابتكار والقوّة النّاعمة، فقال المهندس مازن بن راشد البادي إن المبتكر العُماني يسهم بشكل مباشر في تشكيل صورة ذهنية حديثة لسلطنة عُمان من خلال مشاركته في المحافل الدولية وعرض ابتكاراته التي تعكس مستوى التقدم التقني في البلاد. فكل إنجاز يحققه المبتكر في منصة عالميّة يُعد رسالة تؤكد على أن عُمان ليست فقط دولة ذات تاريخ عريق، بل أيضًا دولة قادرة على المنافسة في مجالات التكنولوجيا الحديثة. كما أن نوعية الابتكارات المقدمة، خاصة تلك التي تعالج تحديات إنسانية أو بيئية، تعزز صورة عُمان كدولة مسؤولة ومسهمة في إيجاد حلول عالمية، مما يدعم مكانتها كمركز إقليمي واعد في مجال الابتكار.
وفيما يخص دور “دبلوماسية الابتكار” في جذب الشراكات ونقل التكنولوجيا، فقد وضح أن “دبلوماسية الابتكار” تلعب دورًا محوريًّا في بناء جسور التعاون بين الدول والمؤسسات، حيث تتيح للمُبتكرين عرض أفكارهم والتفاعل مع خبرات عالمية، مما يسهم في جذب الشراكات الاستراتيجية والاستثمارات التقنية، مشيرا إلى أنه من خلال هذه الدبلوماسية، يمكن تسهيل نقل التكنولوجيا المتقدمة وتوطينها بما يتناسب مع البيئة المحلية، مما يعزز بناء قدرات وطنية مستدامة. كما تسهم في فتح آفاق جديدة للتعاون البحثي والتجاري، وتحفيز بيئة الابتكار داخل الدولة. وفي هذا السياق، يصبح المبتكر سفيرًا غير رسمي لوطنه، ينقل صورة إيجابية، ويسهم في بناء علاقات دولية قائمة على المعرفة والتعاون المشترك.
كما أكد على أن الابتكار ليس مجرد فكرة، بل هو إيمان من خلال تطوير اليوم يصنع غدًا أفضل، مشيرا إلى أن التحديات التي واجهها كانت سببًا في صقل مهاراته، حيث اعتمد على تحويل أفكاره إلى نماذج أولية ثم تطويرها إلى مشروعات متكاملة.

جدير بالذكر أن المُبتكر “البادي” قد حقق سلسلة من الإنجازات على المستويين المحلي والدولي، حيث حصل على الميدالية البرونزية في معرض آيتكس الدولي للاختراعات والابتكار في كوالالمبور 2024م والميدالية البرونزية في فعاليات الأمانة العامة لدول مجلس التعاون 2024م والميدالية الفضية في معارض الابتكار في وادي السيليكون بالولايات المتحدة، كما حقق إنجازات محلية بارزة، منها: المركز الأول على مستوى شمال الباطنة في ابتكار إعادة تدوير مخلفات البناء، والمركز الأول في الملتقى الطلابي السنوي لعام 2023 كأفضل مشروع هندسي ومشروع تخرج، ومركز متقدم في هاكثون صناع الأفكار “قمم” على مستوى سلطنة عُمان، بالإضافة إلى جانب إنجازاته التقنية، أسهم في تدريب أكثر من 1000 مستفيد من مختلف محافظات سلطنة عُمان من خلال إعداد وتقديم ورش تدريبية لطلاب وموظفين بمختلف المستويات، ويعمل على نشر ثقافة الابتكار وريادة الأعمال في المجتمع.
كما يركز في دراساته العليا على استخدام الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة في التطبيقات الهندسية، لتطوير حلول استباقية تسهم في تحسين كفاءة المشروعات وتقليل التكاليف ويؤكد على أهمية نقل الخبرات العالمية وتوطينها بما يتناسب مع البيئة المحلية من خلال التدريب وحلقات العمل والمبادرات.













