
أين الخلل؟.. صراع المواهب بين الطريق الصحيح والإغراءات المؤقتة
عبدالله بن حمود الشكيري
في كل موسم رياضي، ومع بداية مرحلة جديدة من الإعداد والتكوين، تظهر أمام قطاع المراحل السنية تحديات متجددة قد تؤثر على مستقبل العديد من المواهب الشابة. ولعل أبرز هذه التحديات هو غياب الوعي الكافي لدى بعض اللاعبين وأولياء الأمور حول أهمية اختيار البيئة الرياضية المناسبة التي تضمن التطور الحقيقي، وليس مجرد كثرة المشاركات والظهور المؤقت.
فالموهبة لا تحتاج فقط إلى ملعب ومباراة، بل تحتاج إلى منظومة متكاملة تصنع منها لاعبًا قادرًا على المنافسة والوصول إلى أعلى المستويات.
خلال الفترة القادمة، ستنشط بعض الجهات والأشخاص الذين يتعاملون مع المواهب بمنطق مختلف، حيث يقدمون للاعبين بعض المغريات من رحلات وبطولات ومشاركات متفرقة، ويصورون لهم أن كثرة اللعب في مختلف الفرق هي الطريق الأسرع للتطور.
لكن الحقيقة أن اللاعب قد يخسر الكثير عندما يبتعد عن البيئة المنظمة التي توفر له التدريب العلمي، والمتابعة المستمرة، والتطوير المتدرج. فالنادي لا يقدم للاعب مجرد حصة تدريبية أو مباراة، بل يوفر له منظومة متكاملة تشمل الأجهزة الفنية والإدارية، البرامج البدنية والتكتيكية، المتابعة الصحية، الانضباط، المنافسة الرسمية، وفرص التطور التي قد تقوده إلى مستويات أعلى.
وهنا يجب أن نطرح السؤال المهم:
هل كثرة المباريات تعني بالضرورة تطور اللاعب؟
وهل اللعب في فرق غير منظمة أو ملاعب مختلفة دون خطة واضحة يمكن أن يصنع لاعبًا قادرًا على تمثيل الأندية أو المنتخبات؟
الجواب واضح؛ فالتطور الحقيقي لا يقاس بعدد المباريات التي خاضها اللاعب، بل بما اكتسبه من مهارات، وفهم تكتيكي، وشخصية رياضية، وقدرة على التعامل مع متطلبات كرة القدم الحديثة.
رسالة إلى ولي الأمر
ولي الأمر العزيز…
عندما قررت أن تلحق ابنك بأكاديمية رياضية، فقد اتخذت خطوة مهمة في بناء مستقبله. ربما بدأت الرحلة من باب استثمار وقت الفراغ أو خلال الإجازة، لكن مع مرور الوقت شاهدت بنفسك تغيرًا إيجابيًا في شخصيته، وزيادة شغفه، وتطور مستواه، وربما فرحت بإنجازاته وبطولاته.
تذكر تلك الساعات التي بذلتها في توصيله للتدريبات، وتذكر الجهد الذي قدمته الأكاديمية والمدربون في تعليمه ليس فقط مهارات كرة القدم، بل قيم الالتزام والانضباط وتحمل المسؤولية والعمل الجماعي.
كل ما تراه اليوم من تطور هو نتيجة بناء متدرج يحتاج إلى حماية واستمرار.
فلا تجعل قرارًا لحظيًا أو وعدًا مؤقتًا يبعد ابنك عن الطريق الذي تم اختياره بعناية. ساعده على فهم أن اللاعب الناجح لا يبحث عن كثرة الظهور، بل يبحث عن المكان الذي يطوره ويقربه من أهدافه.
الدراسة والرياضة… توازن يصنع النجاح
ومع قرب بداية الموسم الدراسي، يجب أن يدرك اللاعب وولي أمره أن الدراسة ليست عائقًا أمام كرة القدم، بل هي جزء أساسي من بناء شخصية اللاعب … اللاعب المتميز هو من يتعلم إدارة وقته وتنظيم يومه بين الدراسة والتدريب والراحة. ومن الآن يجب وضع جدول واضح يضمن التزام اللاعب بواجباته الدراسية والرياضية، لأن النجاح في كرة القدم يحتاج إلى لاعب منضبط خارج الملعب قبل داخله.
فالاحتراف لا يصنعه اللاعب الذي يهمل مسؤولياته، بل اللاعب الذي يعرف كيف يوازن بين أهدافه.
رسالة إلى الأكاديميات والفرق الأهلية
الجميع شركاء في صناعة المستقبل. فالأكاديميات والفرق الأهلية مطالبة بأن تجعل هدفها الأول بناء اللاعب وليس استهلاك موهبته في المشاركات العشوائية.
نحن بحاجة إلى بيئات رياضية تحمي المواهب، وتضع لها برامج واضحة، وتوجهها نحو المسار الصحيح. فاللاعب الذي يتم إعداده بطريقة صحيحة سيكون إضافة لناديه ومنتخبه ووطنه، أما اللاعب الذي ينتقل بين المسارات غير المنظمة فقد يفقد سنوات مهمة من عمره الرياضي.
البداية من الأكاديمية… والطريق إلى النادي
صناعة اللاعب لا تأتي من الصدفة، بل من التخطيط.
تبدأ الرحلة من الأكاديمية التي تضع الأساس الصحيح، ثم الانتقال إلى النادي الذي يوفر المنافسة الرسمية والفرص الحقيقية، ومنه إلى تمثيل المنتخبات أو الإحتراف. أما إذا فقد اللاعب هذا المسار الواضح، فسنبقى نبحث عن الإجابة ونكرر السؤال: أين الخلل؟
الخلل ليس في قلة المواهب، فالمواهب موجودة.
الخلل عندما لا نحسن توجيهها.
الخلل عندما نسمح للإغراء المؤقت أن يتغلب على المشروع الطويل.
حماية المواهب مسؤولية مشتركة بين ولي الأمر، والمدرب، والأكاديمية، والنادي، وكل من يؤمن بأن مستقبل كرة القدم يبدأ من رعاية الطفل قبل أن يصبح نجمًا.
فلنحافظ على مواهبنا … لأن الطريق الصحيح اليوم هو إنجاز الغد.








