
مجالات التعاون بين بيلاروس وأوزبكستان في تعزيز الممرات النقلية المستدامة في أوراسيا
ديلدورا إبراهيموفا
رئيسة قسم مركز دراسة مشكلات تطوير النقل والخدمات اللوجستية التابع لوزارة النقل في جمهورية أوزبكستان
تتعاون جمهورية بيلاروس وجمهورية أوزبكستان بصورة نشطة في مجال النقل والخدمات اللوجستية في إطار الاجتماع التنسيقي للنقل للدول الأعضاء في رابطة الدول المستقلة، ومنظمة التعاون بين السكك الحديدية، ومجلس النقل بالسكك الحديدية للدول الأعضاء في رابطة الدول المستقلة.
كما يشكل انضمام البلدين إلى رابطة الدول المستقلة ومنظمة شنغهاي للتعاون أساساً إضافياً لتطوير التعاون الثنائي ومتعدد الأطراف، حيث تحتل قضايا تطوير الممرات الدولية للنقل وتعزيز الترابط بين الدول مكانة مهمة على جدول أعمال التعاون في هاتين المنظمتين.
ومن أبرز النتائج العملية لهذا التعاون استمرار النمو الإيجابي في حركة نقل البضائع بين جمهورية أوزبكستان وجمهورية بيلاروس، التي تُعد من بين أهم الشركاء التجاريين والنقليين لأوزبكستان.
وتحتل بيلاروس مكانة ضمن الدول العشر الأولى الشريكة لأوزبكستان من حيث حجم صادرات وواردات نقل البضائع. ووفقاً لنتائج عام 2025، بلغ حجم النقل بين البلدين 850 ألف طن، بزيادة قدرها 30٪ مقارنة بالعام السابق.
وتغلب على هيكل النقل الواردات، التي تتكون أساساً من الأخشاب ومنتجاتها والمواد الغذائية، في حين لا تزال أحجام الصادرات محدودة، وتتمثل بصورة رئيسية في المنتجات الزراعية.
وتشير هذه المعطيات إلى وجود إمكانات كبيرة لزيادة حجم النقل المتبادل، ولا سيما من خلال توسيع الصادرات الأوزبكية وتطوير مسارات لوجستية جديدة.
وفي ظل النزاعات الجيوسياسية وتنويع سلاسل التوريد العالمية، يكتسب إنشاء ممرات نقل دولية جديدة في أوراسيا، تعتمد على وسائل النقل متعددة الأنماط ضمن محوري «الشرق – الغرب» و«الشمال – الجنوب»، أهمية استراتيجية متزايدة.
ومن بين المشاريع الواعدة للتعاون في هذا المجال ما يلي :
أولاً : إنشاء مسارات نقل بديلة جديدة وأكثر كفاءة تؤدي إلى الموانئ البحرية
يُعد تطوير الممر الدولي للنقل «بيلاروس – روسيا – كازاخستان – أوزبكستان – أفغانستان – باكستان – موانئ المحيط الهندي» من الاتجاهات الواعدة للتعاون، حيث يقوم هذا المشروع على استخدام أقصر مقطع للسكك الحديدية يمر عبر أراضي كازاخستان بين محطتي دينا نوربييسوفا وكاراكالباكستان.
وفي الأول من نوفمبر 2023، وخلال منتدى النقل لمنظمة شنغهاي للتعاون الذي عُقد في طشقند، وقّع وزراء النقل في أوزبكستان وروسيا وكازاخستان مذكرة تفاهم بشأن إنشاء هذا الممر وتطويره. وفي عام 2024 انضمت كل من بيلاروس وباكستان إلى المذكرة، فيما تُجرى حالياً مفاوضات لانضمام أفغانستان إليها.
وتتجلى الجدوى الاقتصادية لهذا المشروع بصورة واضحة؛ إذ إن طول الممر يقل بنحو الضعف مقارنة بالمسارات البديلة الحالية، كما يتيح تقليص مدة نقل البضائع بمقدار يتراوح بين مرتين وثلاث مرات.
وسيربط هذا الممر بصورة مباشرة، عبر شبكة متكاملة من السكك الحديدية والطرق البرية، بين دول الاتحاد الأوروبي ورابطة الدول المستقلة من جهة، ودول جنوب شرق آسيا وجنوب آسيا من جهة أخرى. كما سيعزز إمكانات العبور (الترانزيت) لدولنا من خلال نقل البضائع إلى الأسواق ذات الكثافة السكانية العالية، ولا سيما الهند وباكستان، عبر مسار أوزبكستان – أفغانستان – باكستان.
وفي المستقبل، يُخطط للعمل المشترك على إعداد معايير موحدة لتشغيل هذا الممر الدولي، بما في ذلك اعتماد وثيقة نقل موحدة، إضافة إلى توحيد المعايير الفنية والتكنولوجية ذات الصلة.
ومن المهم التأكيد على أن المسار الجديد عبر أوزبكستان وأفغانستان وباكستان سيسهم في تنويع جغرافية وهيكل التجارة الخارجية، فضلاً عن زيادة إمكانات العبور في المنطقة.
وقد بدأت هذه الإمكانات تتأكد بالفعل من خلال النتائج العملية؛ إذ ارتفع حجم عبور البضائع عبر أراضي أوزبكستان باتجاه الجنوب خلال الربع الأول من عام 2026 بنسبة 23٪ مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، ليصل إلى 1.8 مليون طن، منها 1.3 مليون طن نُقلت بالسكك الحديدية و0.5 مليون طن بواسطة النقل البري.
ثانياً : التعاون في إعداد وتأهيل الكوادر المتخصصة في قطاع النقل.
يُعد التعاون في مجال إعداد الكوادر ورفع كفاءة المتخصصين في قطاع النقل أحد العناصر الأساسية للشراكة طويلة الأمد بين البلدين.
وتتمتع جمهورية بيلاروس بمدرسة علمية وتعليمية معترف بها في مجال إعداد الكفاءات لقطاع النقل. ويُعد الجامعة البيلاروسية الحكومية للنقل في مدينة غوميل المؤسسة التعليمية والبحثية الرائدة والمتخصصة في هذا المجال، إذ تضم في هيكلها معهد رفع الكفاءة وإعادة تأهيل الكوادر ومعهد البحوث العلمية للنقل بالسكك الحديدية.
ومن شأن تطوير التعاون بين الجامعة البيلاروسية الحكومية للنقل والمؤسسات المتخصصة في جمهورية أوزبكستان، ولا سيما جامعة طشقند الحكومية للنقل، أن يتيح تنظيم برامج التدريب العملي والتأهيل المهني للمتخصصين، وتعزيز الحراك الأكاديمي للطلبة وطلبة الماجستير والدكتوراه، فضلاً عن تنفيذ بحوث علمية مشتركة في المجالات ذات الأولوية، بما في ذلك تطوير النقل بالسكك الحديدية، والنقل متعدد الوسائط، واللوجستيات الدولية للنقل.
ثالثاً : رقمنة تبادل الوثائق التصريحية في مجال النقل البري
ومن الاتجاهات العملية المهمة أيضاً الانتقال إلى التبادل الإلكتروني لتصاريح النقل الدولي عبر نظام E-Permit.
وتنفذ جمهورية أوزبكستان اليوم هذا النظام بصورة كاملة مع كل من أذربيجان وكازاخستان وقيرغيزستان والصين وتركيا، وبصورة جزئية مع طاجيكستان، في حين يجري العمل حالياً على إطلاقه مع تركمانستان.
ومن شأن تطبيق هذا النظام بالتعاون مع الجانب البيلاروسي أن يضمن شفافية توزيع التصاريح، ويحد من تأثير العامل البشري، ويعزز الرقابة على استخدامها، وهو ما يكتسب أهمية خاصة في ظل النمو المستمر في حجم النقل البري بين البلدين.
الخـاتـمـة..
وبذلك، فإن التعاون بين بيلاروس وأوزبكستان في مجال النقل والخدمات اللوجستية لم يعد يقتصر على زيادة حجم النقل المتبادل، بل أصبح يكتسب بعداً استراتيجياً.
إن تنفيذ المشاريع المشار إليها، بدءاً من إنشاء الممر متعدد الوسائط المؤدي إلى موانئ المحيط الهندي، ووصولاً إلى رقمنة إجراءات إصدار التصاريح، من شأنه أن يحول الموقع الجغرافي للبلدين إلى ميزة تنافسية حقيقية، وأن يجعل مسار بيلاروس – أوزبكستان – جنوب آسيا مساراً مريحاً وسريعاً وموثوقاً وقابلاً للتنبؤ.
ومن خلال العمل المشترك والمتواصل في هذه المجالات، سيتمكن البلدان من تعزيز الروابط الاقتصادية بينهما، والإسهام بصورة ملموسة في بناء منظومة مستدامة للترابط في مجال النقل عبر الفضاء الأوراسي.










