الذهب البشري..
الدكتور/ عدنان بن أحمد الأنصاري
محلّل سياسي، ودبلوماسي، وسفير سابق
إذا كان هذا الوصف ينطبق على المجتمع العُماني بأسره بما عُرف عنه من أصالةٍ وتكافلٍ وتراحم فإن مجتمع ظفار على وجه الخصوص يُجسد هذه القيم في أبهى صورها؛ حيث تتجلى النخوة والنجدة والإيثار كجزءٍ أصيل من تكوينه الاجتماعي والثقافي؛ حتى غدت المبادرة إلى نجدة الملهوف، وإغاثة المحتاج سمةً راسخةً ومصدر فخر واعتزاز لأبنائه.
كما أن هذه الروح الإنسانية النبيلة ليست بعيدةً عن مجتمعات دول مجلس التعاون الخليجي التي عُرفت عبر تاريخها بالمروءة والكرم والتكافل والتعاضد حتى أصبحت النخوة فيها إرثاً حضارياً وقيمةً اجتماعيةً راسخة تؤكد أن أبناء الخليج مهما تباعدت جغرافياتهم تجمعهم منظومة أخلاقية واحدة قوامها الرحمة وإغاثة الملهوف ونصرة المحتاج ومد يد العون لكل من ألمّت به شدة أو نازلة
ربما يتغير العالم وتتبدل موازين القوى وتتطور أدوات الاقتصاد والتكنولوجيا لكن قيمة واحدة ستظل هي معيار بقاء الأمم ورقيها وهي:
قدرة الإنسان على أن يكون سنداً لأخيه الإنسان.
إن المجتمع الذي يحتضن رجالاً ونساءً يهبون أموالهم لإنقاذ مريض ويقفون مع المنكوب دون تردد ويجعلون من العطاء أسلوب حياة هو مجتمعٌ كتب لنفسه البقاء وأمّن مستقبله الأخلاقي وصنع لنفسه حصانة لا تُشترى بالمال.
فهنيئاً لأوطانٍ يسكنها أصحاب النخوة.
وهنيئاً لشعوبٍ ما زالت الرحمة تنبض في قلوبها.
وهنيئاً لأمةٍ إذا سُمِع فيها نداء استغاثة كانت أول إجابة تأتي من ضميرها الجمعي:
إذا نضبت الثروات فإن المجتمعات المتراحمة تستطيع أن تعيد بناء نفسها أما إذا نضبت الرحمة في القلوب فإن أعظم الثروات لن تستطيع إنقاذها.
ولذلك تبقى النخوة والإيثار أعظم استثمار في مستقبل الأمم وأصدق دليل على أن الإنسانية ما زالت بخير.
فمن الناس من لا يرى إلا نفسه ومنهم من يعيش لنفسه ولغيره معاً ومنهم وهم الأقل عدداً والأعظم شأناً من خُلقوا ليكونوا ملاذاً للآخرين وسنداً للمحتاجين وجسوراً تعبر عليها الآمال المنكسرة.
هؤلاء هم أنقى أنواع المعادن البشرية.
يشبهون الذهب الخالص الذي لا تزيده النار إلا صفاءً.
ويشبهون المطر الذي لا يسأل الأرض عن لونها قبل أن يرويها.
ويشبهون الشمس التي تمنح دفئها للجميع دون أن تنتظر مقابلاً.
إذا استغاث مريض كانوا أول الحاضرين.
وإذا تعثر محتاج كانوا أول الممسكين بيده.
وإذا ضاقت الدنيا بإنسان جعلوا من أموالهم وأوقاتهم وأرواحهم منافذ للأمل.
إنهم رجال ونساء لا تُقاس قيمتهم بما يملكون بل بما يمنحون.
ولا بما يجمعون بل بما يبذلون.
في القرآن الكريم… تمجيد العطاء وصناعة الإنسان المحسن
لقد جعل الإسلام الإنفاق في سبيل الخير من أعظم أبواب العبادة وربط بين الإيمان الحقيقي وبين الإحسان إلى الناس.
قال الله تعالى:
﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ﴾
(البقرة: 261).
وقال سبحانه:
﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾
(آل عمران: 92).
وقال جل شأنه:
﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ﴾
(البقرة: 110).
وفي أسمى صور الإنسانية قال تعالى:
﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾
(الحشر: 9).
إنها آية عظيمة لا تصف مجرد الكرم بل تصف حالة نادرة من السمو الأخلاقي حين يعطي الإنسان وهو في حاجة ويجود وهو في ضيق ويقدم غيره على نفسه.
إن هذا المجتمع يشبه سفينةً عظيمة في بحرٍ هائج قد تعصف بها الأمواج لكنها لا تغرق لأن كل من فيها يتحول إلى ربانٍ يحمل مسؤولية النجاة.
إنه مجتمع يمتلك أعظم ثروة عرفتها الحضارات رأس المال الأخلاقي.
البعد السياسي والاستراتيجي للنخوة والإيثار
في العلوم السياسية والاجتماعية الحديثة أصبحت الثقة المجتمعية والتضامن الاجتماعي من أهم مؤشرات الأمن الوطني والاستقرار الاستراتيجي.
فالدول لا تحميها القوانين وحدها ولا تصونها المؤسسات وحدها وإنما يحميها قبل ذلك شعور الناس بأنهم أسرة واحدة وأن مصيرهم مشترك
ولهذا فإن المجتمعات التي تملك ثقافة النخوة والإيثار تمتلك في الوقت ذاته قدرة استثنائية على الصمود في وجه الأزمات والكوارث والتحديات.








