بأقلام الكُتّابمقالات وآراء

هل حماية المنتخب تكون بإسكات الأصوات أم بمصارحة الجماهير؟

بهاء الدين أحمد

كاتب وصحفي – العراق

 

في كل دول العالم التي تمتلك مؤسسات رياضية راسخة، يبقى النقد الرياضي جزءًا من عملية التصحيح والتطوير، لا جريمة تستوجب الملاحقة، ولا تهمة تستحق المحاكم. فالمنتخب الوطني ليس ملكًا لشخص، ولا لاتحاد، ولا لإدارة مؤقتة، بل هو ملك لكل العراقيين الذين يفرحون لانتصاراته ويتألمون لهزائمه، ومن حقهم أن يسألوا ويحاسبوا وينتقدوا ضمن حدود الأدب والاحترام.

التصريحات الأخيرة لرئيس الاتحاد العراقي لكرة القدم، التي أكد فيها أنه لن يسمح لأي شخص بالإساءة إلى لاعبي المنتخب الوطني، وأن الاتحاد سيقيم دعاوى قضائية ضد المواقع والصفحات والإعلاميين الذين يروجون للإشاعات، تفتح بابًا واسعًا للنقاش حول مفهوم النقد وحدود حرية الرأي.

لا أحد يختلف على ضرورة حماية اللاعبين من الشتائم والتجريح والتشهير والإساءة الشخصية، فهؤلاء يمثلون العراق، ويجب أن يحظوا بالدعم والاحترام، لكن في المقابل ينبغي التمييز بوضوح بين الإساءة وبين النقد الفني والإداري. فالحديث عن أخطاء التشكيلة، أو سوء الإدارة، أو القرارات الفنية، أو أداء الاتحاد، ليس إساءة، بل ممارسة طبيعية موجودة في كل الاتحادات الرياضية المحترفة.

إن الإعلام الرياضي العراقي كان وما يزال شريكًا أساسيًا في صناعة شعبية كرة القدم العراقية، وهو الذي نقل إنجازات اللاعبين إلى الجماهير، وعرّف العالم بالمواهب العراقية، وساهم في إبراز أسماء نجوم أصبحوا لاحقًا رموزًا في الكرة العراقية. ولولا الإعلام، لما وصلت كثير من الإنجازات إلى الجمهور العربي والعالمي، ولما تحولت أسماء عديدة إلى نجوم جماهيرية.

ولذلك فإن العلاقة بين الاتحاد والإعلام يجب أن تقوم على الشراكة، لا على الخصومة، وعلى الحوار، لا على لغة التهديد والوعيد. فكلما اتسعت مساحة الشفافية، تقلصت مساحة الإشاعة، أما عندما تُغلق أبواب المعلومة، فإن الفراغ يملؤه الاجتهاد والتأويل.

الجماهير العراقية اليوم لا تطالب بالمستحيل، بل تريد إجابات واضحة عن أسباب الإخفاقات، وخطط التطوير، وآليات اختيار اللاعبين، ومستقبل المنتخب بعد البطولة الحالية. هذه الأسئلة مشروعة، ولا يمكن اعتبارها استهدافًا أو إساءة.
كما أن اللجوء إلى القضاء ينبغي أن يكون في حالات التشهير المتعمد أو نشر الأكاذيب التي تسيء للأشخاص دون دليل، أما تحويل كل رأي مخالف إلى قضية قانونية فقد يخلق حالة من الاحتقان بين الاتحاد والجمهور والإعلام، وهو أمر لا يخدم الكرة العراقية في هذه المرحلة الحساسة.

إن قوة أي مؤسسة رياضية لا تُقاس بعدد الدعاوى القضائية التي ترفعها، وإنما بقدرتها على استيعاب النقد، والرد عليه بالإنجاز والعمل والنتائج داخل المستطيل الأخضر. فالفوز هو أفضل رد، والنجاح هو أقوى بيان، والشفافية هي السلاح الحقيقي في مواجهة الإشاعات.

ويبقى السؤال الذي يطرحه الشارع الرياضي : هل نحن أمام حملة لحماية اللاعبين فعلًا، أم أن المرحلة المقبلة ستشهد محاولات لتقييد الأصوات الناقدة مع اقتراب مرحلة ما بعد كأس العالم؟ هذا السؤال ستجيب عنه الأيام، وستجيب عنه طريقة تعامل الاتحاد مع الإعلام والجماهير، لأن الثقة تُبنى بالأفعال لا بالتصريحات.

إن المنتخب الوطني سيبقى فوق الجميع، وسيظل العراقيون يلتفون حوله في كل الظروف، لكنهم في الوقت نفسه لن يتخلوا عن حقهم في المطالبة بالإصلاح، لأن حب المنتخب لا يعني الصمت عن الأخطاء، بل يعني الحرص على تصحيحها، حتى يعود العراق إلى المكانة التي يستحقها بين كبار منتخبات العالم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى