من أخلاق الجوار إلى هندسة الأمن الإقليمي
الدكتور/ عدنان بن أحمد الأنصاري
محلّل سياسي، دبلوماسي، وسفير سابق
إن إماطة الأذى عن الطريق تعني إماطة الألغام عن المضيق وإماطة الشك عن التفاهمات وإماطة الغرور عن قرارات القوة وإماطة الخوف عن أسواق العالم.
ومن يفهم هذه القاعدة يدرك أن أمن هرمز ليس شأناً بحرياً فحسب بل هو امتحان أخلاقي وسياسي لحضارة كاملة هل نترك الطريق مفتوحاً للحياة أم نجعله معبراً للفوضى؟
ومن هنا فإن أزمة مضيق هرمز لا يجوز أن تُقرأ بوصفها مشادة عسكرية بين واشنطن وطهران أو توتراً إسرائيلياً إيرانياً فحسب بل بوصفها اختباراً أخلاقياً وسياسياً لفكرة الجوار ذاتها.
فالجار في القرآن ليس فقط من يلاصقك في السكن بل هو كل من تشترك معه في الطريق والماء والحدود والمصير.
والخليج بهذا المعنى دار جوار كبرى إذا اشتعل طرفها احترق أمن الجميع وإذا زُرعت الألغام في ممرها ضاق العالم كله بأنفاسه.
وهنا تستحضر الآية الكريمة معناها السياسي العميق ﴿وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾فالاعتداء في زمننا لا يكون بالصاروخ وحده بل قد يكون بإغلاق ممر أو تعطيل سفينة أو رفع تكلفة الخبز والوقود على شعوب بعيدة.
لقد أثبتت الأزمة الراهنة أن مضيق هرمز لم يعد مجرد ممر بحري بل صار عصباً من أعصاب النظام الدولي.
ومن يسيطر على إيقاعه يملك القدرة على التأثير في أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد والتضخم العالمي واستقرار الأسواق الآسيوية والأوروبية.
لذلك فإن التعامل معه بمنطق القوة الخشنة وحدها يفتح الباب أمام حرب استنزاف بحرية لا رابح فيها.
إيران قد تملك قدرة الإزعاج والإرباك والولايات المتحدة قد تملك قدرة الردع والضرب وإسرائيل قد تدفع نحو التصعيد لكن المنطقة كلها ستدفع الثمن إذا تحوّل المضيق من شريان حياة إلى حقل ألغام سياسي وعسكري.
إن مذكرة التفاهم الحالية بين الولايات المتحدة وإيران إذا أُحسن بناؤها وتثبيتها يمكن أن تتحول من هدنة هشّة إلى إطار أمن إقليمي جديد.
غير أن نجاحها يتطلب نقلها من لغة النوايا إلى لغة الآليات ضمان حرية الملاحة منع فرض الرسوم أو الإتاوات السياسية على العبور تحريم الألغام البحرية إنشاء ممرات آمنة تحت رقابة دولية وربط أي تفاهم نووي أو أمني بسلوك واضح في المضيق.
أولاً: تثبيت مبدأ أن مضيق هرمز ممر دولي آمن لا يجوز تحويله إلى أداة مساومة أو ساحة تصفية حسابات.
وهذا المبدأ ينبغي أن يحظى بضمان أمريكي إيراني خليجي وبرعاية أممية وبإسناد من الدول الآسيوية الكبرى المستوردة للطاقة.
ثانياً: إنشاء آلية بحرية مشتركة لإزالة الألغام ومراقبة الممرات تشارك فيها الدول المطلة على الخليج مع دور فني للمنظمة البحرية الدولية بحيث لا يبدو الأمن البحري احتلالاً أجنبياً ولا هيمنة إيرانية بل مسؤولية جماعية.
ثالثاً: تحويل سلطنة عُمان إلى منصة توازن ووساطة بحرية بحكم موقعها الجغرافي وثقة الأطراف في حكمتها السياسية.
فعُمان ليست طرفاً في الصراع بل جسر عبور بين منطق القوة ومنطق التسوية وبين ضرورات الأمن ومقتضيات السيادة.
رابعاً: فصل أمن الطاقة عن مسارات الانتقام العسكري.
فكل ضربة في البحر ترفع الأسعار وكل تهديد للمضيق يضاعف المخاطر وكل سفينة تُستهدف تفتح الباب أمام ردود لا يمكن ضبطها.
لذلك يجب اعتماد قاعدة لا استهداف للسفن المدنية ولا عسكرة للممرات التجارية ولا استخدام للطاقة كسلاح ضد العالم.
خامساً: إطلاق مسار تفاوضي أوسع يشمل إيران الولايات المتحدة دول الخليج والدول الكبرى المستوردة للطاقة على قاعدة أمن الخليج لا يُبنى ضد إيران وحدها ولا يُترك لإيران وحدها ولا يُدار من خارج المنطقة وحدها.
الأمن الحقيقي هو توازن مصالح لا توازن رعب.
إن المنطقة أمام ثلاثة سيناريوهات إما تهدئة منظمة تعيد فتح المضيق وتؤسس لقواعد عبور آمن أو تصعيد متقطع يبقي الأسواق رهينة للخوف أو انفجار واسع يحول الخليج إلى مركز اضطراب عالمي في الطاقة والتجارة.
وأخطر ما في السيناريو الثالث أنه لن يبقى إقليمياً بل سينتقل إلى أسعار الوقود والغذاء والتأمين والشحن والاستثمار وربما إلى ركود عالمي جديد.
لذلك فإن الحكمة الاستراتيجية اليوم ليست فيمن يطلق التهديد الأعلى بل فيمن يملك القدرة على تحويل المضيق من خط تماس إلى خط تفاهم.
فالقوة العاقلة لا تزرع الألغام في الطريق بل تزيلها.
والسياسة الرشيدة لا تجعل الجار خصماً أبدياً بل تبحث عن قواعد تعايش تمنع الانفجار.
وحسن الجوار في زمن المضائق لا يعني المجاملة بل يعني احترام الطريق المشترك وكف الأذى عن الممرات وحماية مصالح الناس من جنون التصعيد.











