
اعتبروا يا أولي الألباب
هيام سلوم
وأنا أتصفح صفحات التواصل، وقعت عيناي على ما يستحق الوقوف عنده والإضاءة عليه. ربما مرّ به بعضكم، لكنني رأيت أن أستحضره مجددًا، لا لأنه مجرد حكايات، بل لأنه يلامس واقعًا مهترئًا، فقد كثيرًا من منظومة القيم حتى كاد الجنون يصبح فيه مألوفًا.
القصة الأولى:
ذهبت سيدة مسنّة إلى مركز توزيع مساعدات الرعاية الاجتماعية بعد أن تأخرت عن استلام حصتها لشهرين. وحين سألها المسؤول عن سبب التأخير، أجابت بكل هدوء: “كنت مشغولة بمراسيم العزاء والفاتحة على الرئيس إبراهيم رئيسي.”
تعجّب المسؤول وسألها: “وما علاقتكِ بالرئيس؟”
فأجابته بما أذهله: “إنه أخي الأصغر مني بسنتين.”
اغرورقت عينا الرجل بالدموع، واعتذر منها قائلًا: “سامحيني، كان يجدر بي أن أحضر هذا المبلغ إلى بيتك بنفسي.”
هذه أخت الرئيس… امرأة صامتة، مفعمة بالدهشة والنبل، لم تطلب جاهًا، ولم تستثمر قرابة، ولم تتخذ من اسم أخيها جسرًا إلى امتياز. بقيت ملتزمة بطابور الرعاية، شأنها شأن أي مواطن بسيط، تنتظر دورها بصبر، ولم تُعلن عن نفسها، لأن الكرامة في نظرها لم تكن يومًا سلعة تُستثمر، بل خُلُقًا يُمارس.
القصة الثانية:
ابنة رئيس السلطة التشريعية، وزوجة السيد مجتبى خامنئي، المعلمة المتخفية في أحياء طهران الفقيرة. تحمل شهادة عليا تؤهلها للتدريس في أرقى الجامعات، لكنها اختارت أن تعمل باسم مستعار، “خانم حسيني”، معلمة في الأحياء الشعبية جنوب طهران، دون أن يعلم أحد حقيقتها.
وحين زارتها صديقتها المقربة في منزلها، صُدمت بما رأت: شقة متواضعة لا تتجاوز مساحتها ثمانين مترًا، سجادة بسيطة، ووسائد صوفية، ومطبخ صغير عند المدخل.
كان المشهد أبلغ من أي خطاب، وأصدق من آلاف الشعارات. اختارت هذه السيدة أن تعيش حياة البسطاء، وأن تخدمهم بصمت، في عالم يضج بالصخب، واعتاد الناس فيه أن يروا مظاهر الثراء الفاحش تحيط بكل من اقترب من كراسي الحكم، حتى ظنوا أن السلطة لا تنجب إلا الامتيازات.
القصة الثالثة:
كانت ابنة وزير الدفاع الراحل تتقدم بسيرتها الذاتية إلى العديد من الجهات، وفي مرات كثيرة كانت طلباتها تُرفض، لأن نظام المفاضلة العادل رجّح متقدمين آخرين عليها. ولم يخطر ببالها يومًا أن تستغل اسم والدها، الذي كان قادرًا على أن يأتي بأرقى الوظائف إلى باب بيتها. والسبب؟ وصية والدها الحرفية لها: “لا تقولي لأحد إن والدكِ وزير، بل قولي: والدي ضابط متقاعد في الجيش.” فعاشت، وقدّمت، وتنافست، كما يعيش ويتنافس سائر أبناء الشعب، بلا واسطة، ولا نفوذ، ولا استثناء.
هذه القصص، إن صحت، فهي ليست مجرد روايات تُحكى، بل شواهد على أن العظمة لا تُقاس بحجم السلطة، بل بقدرة الإنسان على التحرر من غواية السلطة. وأن التواضع ليس مظهرًا يُتجمّل به، بل قيمة تُختبر حين تكون أسباب التكبر متاحة. وأن الشرف لا يورثه الاسم، ولا يمنحه المنصب، وإنما يُكتسب بالعمل، ويترسخ بالنزاهة، ويزكو بالتواضع.
لقد اعتادت الأمم أن تنهض حين يصبح القانون فوق الأسماء، وتتهاوى حين تصبح الأسماء فوق القانون. وما بين المشهدين تتحدد ملامح الحضارات، ويُعرف معدن الرجال، وتُوزن قيمة المبادئ. ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾










