تحقيقات وتقارير وحواراتتقرير

عند مفترق طرق المصائر: الموردوفيون في الأراضي الأوزبكية

أصـــداء/ الأوزبكية

بينما نتصفح صفحات التاريخ، نشهد أن أرض أوزبكستان لم تكن مهدًا لحضارات عظيمة فحسب، بل كانت أيضًا ملتقى مصائر مختلفة. ومن بين المجموعات العرقية التي حجزت مكانتها في تاريخ البلاد، ولكنها غير معروفة للعامة، شعب موردوفيا.

هذا الشعب، المذكور في المصادر المكتوبة القديمة منذ منتصف الألفية الأولى الميلادية، يتميز بطابعه الفريد. أطلق عليه جيرانه اسم “الموردفين”، لكنهم في الواقع ينقسمون إلى مجموعتين إثنوغرافيتين رئيسيتين: إرزيا وموكشا. ورغم أن لغاتهم تنتمي إلى عائلة اللغات الفنلندية الأوغرية، إلا أنها تأثرت عبر القرون بثقافات متنوعة.

بحسب “أطلس أوزبكستان العرقي”، يعود تاريخ أول تدفق جماعي للموردوفيين إلى آسيا الوسطى إلى أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. في ذلك الوقت، كان التخلف الاقتصادي والمشاكل الزراعية متفشية في المقاطعات الوسطى للإمبراطورية الروسية، ولا سيما في منطقة موردوفيا. لجأ آلاف الأشخاص إلى تركستان بحثًا عن سبل العيش، واستقروا بشكل رئيسي في مناطق ذات زراعة متطورة، مثل جنوب كازاخستان وميرزاتشول ووادي فرغانة. أما في المدن، فكانت نسبتهم ضئيلة نسبيًا. لم تكن هذه العملية مجرد هجرة سكانية، بل كانت توزيعًا طبيعيًا للموارد البشرية.

تأقلم ممثلو مجموعة موكشا بسرعة أكبر مع مناخ تركستان وأسلوب حياة السكان المحليين، وذلك لأسباب تاريخية ولغوية. تحتوي لغة موكشا على مئات الكلمات التركية، وتأثرت ثقافتهم بشدة بتقاليد التتار الجنوبية. ساعدهم هذا العامل على إيجاد أرضية مشتركة مع السكان المحليين والاندماج في البيئة الجديدة. تؤكد هذه الأدلة التاريخية مجددًا أن اللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل جسرٌ يقرّب الشعوب من بعضها.

كانت مشاريع البناء الضخمة في أوزبكستان عاملاً هاماً في جذب الموردينيين. ويُعدّ بناء خط سكة حديد فرغانة (1900-1917) مثالاً واضحاً على ذلك. في مثل هذه المشاريع، التي تطلّبت جهداً بدنياً كبيراً، عمل شباب موردوف بشكل رئيسي كحفّارين وبنائين. وفي بعض الأحيان، كانت تُستأجر عائلات بأكملها لترميم السكك الحديدية والمباني المدنية. ويشير العدد الكبير من الشباب بين المهاجرين إلى رغبتهم في بناء مستقبلهم في أرض جديدة. وبحلول عام 1920، سُجّل وجود أكثر من مئة موردوفي يعيشون في طشقند وحدها.

أدت المجاعة الرهيبة التي اجتاحت منطقة الفولغا في السنوات الأولى من الحكم السوفيتي إلى موجة ثانية من الهجرة السكانية. في ذلك الوقت العصيب، أصبحت أوزبكستان ملاذاً للعديد من القوميات، بما في ذلك شعب موردوفيا. تشير الإحصاءات إلى أن عدد موردوفيا المقيمين في أوزبكستان بلغ 1805 نسمة عام 1926، وارتفع هذا العدد إلى أكثر من 12000 نسمة بحلول عام 1979. ويعود ذلك إلى تسامح الشعب الأوزبكي وأجواء الوئام بين الأعراق. في فترة ما بعد الحرب، استقروا بشكل رئيسي في تجمعات متفرقة داخل المدن، وأصبحوا جزءاً لا يتجزأ من المجتمع المحلي.

خلال الحرب العالمية الثانية، قدّم شبان موردوفيا الذين سافروا إلى الجبهة من أوزبكستان مثالاً بطولياً حقيقياً. مُنح شبان شجعان مثل س. لاريونوف، وس. بوليزايكين، وم. توماكشين لقب البطل. سُجّلت أسماؤهم في سجلات التاريخ. تستحق شجاعتهم تقديراً خاصاً كجزء من مساهمة شعبنا في النصر العام. وفي زمن السلم، أظهر الكثيرون تفانياً وإيثاراً في العمل. شارك بناة موردوفيا بنشاط في إعادة بناء المدينة بعد زلزال طشقند عام 1966. 

لقد ترك ممثلو هذا الشعب بصمةً بارزةً في مجالي العلوم والثقافة. فقد أسهم مفكرون بارزون، مثل دكتور العلوم التاريخية ب. كوفاليف، والمؤرخ ك. يرزين، والأكاديمي ك. زيتوف، الذين وُلدوا ونشأوا في كنف عائلة عامل سكة حديد من طشقند، إسهامًا جليلاً في تطوير العلوم الأوزبكية. ويجدر بالذكر أيضًا خدمات المهندس أ. فاراكين، الذي شارك في تصميم مترو طشقند. 

نتيجةً للعمليات الاجتماعية والسياسية التي بدأت في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، بدأ جزء من سكان موردوفيا بالعودة إلى موطنهم التاريخي. ومع ذلك، فإن بصمة هذا الشعب المجتهد والمتواضع في تاريخ أوزبكستان لا تُمحى. إن تعايش ممثلي مختلف القوميات في وئام على أرض واحدة، وعملهم ومساهمتهم في ازدهار البلاد، دليلٌ حيٌّ على تقاليد التسامح العريقة في أوزبكستان. هذا التاريخ يُذكّر مرة أخرى بأن الوحدة والتضامن هما القوة الأساسية لتجاوز أي تحديات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى