بأقلام الكُتّابمقالات وآراء

رؤية شخصية في ذاكرة المكان حارة الرمل  (14).. تفاصيل من بيتنا القديم

الكاتب أ. عصام بن محمود الرئيسي
مؤلف أعمال متخصصة في المراسم والسلوك الراقي

 

 

تواصلاً لحلقات حارة الرمل عزيزي القارئ، أروي في هذه الحلقة شيئًا من ملامح بيتنا القديم الذي احتضن طفولتنا وذكرياتنا .كلما عدت بذاكرتي إلى حارة الرمل، يعود أول ما يعود صورة بيتنا القديم؛ الباب الخشبي الثقيل، والحوش الصغير، والدوهريز (الدهريز) الممتد بين الغرف، ورائحة الطين حين يبتل بالماء. كان البيت بسيطًا في بنائه، لكنه واسع في معناه، يحتفظ بأصواتنا وذكرياتنا وكأن الزمن لم يغادره.

كان بيتنا القديم في حارة الرمل واحدًا من تلك البيوت التي ما زالت صورتها حاضرة في الذاكرة رغم مرور السنين. يبدأ البيت بمدخل صغير تتقدمه باب خشبية متينة صُنعت من ألواح قوية، وثُبّتت عليها مسامير كبيرة بارزة أعطت الباب جمالًا وهيبة خاصة. وكان الباب يُغلق بواسطة “الحَلْقة” الحديدية التي تُستخدم للطرق والإغلاق معًا، وتُعرف في بعض المناطق باسم “الطَّرّاقة” أو“الدَّقّاقة”. وكان لصوتها وقعٌ مميز يعرف به أهل البيت قدوم الزائر قبل أن يُفتح الباب.

بعد الدخول إلى البيت يظهر “الحوش” الصغير، وهو الساحة الداخلية التي تتجمع فيها الأسرة، وتُمارس فيها الأعمال اليومية البسيطة وتجلس تحت حصيرة خوصية. وأمام الباب مباشرة تقع “السَّبلة”، وهي مجلس الضيوف الذي يُعد من أهم أجزاء البيت العُماني، ففيه تُستقبل الضيوف وتُقدَّم القهوة وتُتبادل الأحاديث. وكانت السبلة رمزًا للكرم والتواصل الاجتماعي، إذ يجتمع فيها الرجال مساءً لتبادل الأخبار وأحاديث الحياة.

وفي البيت العديد من الرموز التقليدية التي تعكس طبيعة الحياة القديمة. فهناك “الروزنة”، وهي فتحة أو تجويف صغير في الجدار تُوضع فيه بعض متعلقات المنزل والأدوات اليومية. كما توجد “الفرخة”، وهي فتحة أعلى السقف تُستخدم لخروج الدخان وتهوية المكان، ويتوسط أسفلها “الصيردان”، وهو الموقد التقليدي الذي تُطهى عليه الوجبات اليومية. وكانت رائحة الحطب والدخان تمتزج في المكان فتمنحه دفئًا خاصًا لا يشبه مطابخ اليوم الحديثة.

كما وُضعت في الغرف أوتاد خشبية تُعلّق عليها الفرش والأغطية بعد طيّها، حفاظًا على نظافة المكان وتنظيمه. وكان في البيت أيضًا “البخّار”، وهي غرفة مخصصة لتخزين المواد الغذائية والتمر والمؤن، وتمتاز ببرودتها وعتمتها للمحافظة على الطعام من التلف، خاصة في فصل الصيف. أما زريبة الغنم فكانت تُقام في زاوية بعيدة عن الغرف حفاظًا على نظافة البيت وراحته.

وعلى يمين المدخل يمتد “الدوهريز” أو “الدَّهريز”، وهو الرواق الداخلي المسقوف الذي يربط أجزاء البيت ببعضها ويطل على الحوش. وقد اشتهرت البيوت العُمانية القديمة بهذه الممرات التي تمنح المكان ظلالًا وشيئًا من البرودة خلال أيام الصيف الحارة، كما تساعد على تنظيم الحركة داخل البيت وتحافظ على خصوصية الأسرة. وبالقرب منه تقع “الصَّفة”، وهي غرفة المعيشة الخاصة بالعائلة، وكانت تُستخدم كذلك للطعام والجلوس اليومي، وتُعد القلب الحقيقي للحياة الأسرية داخل المنزل.

ومن الدوهريز يرتفع درج بسيط يؤدي إلى الطابق العلوي، حيث توجد غرفة صغيرة تُعرف باسم الغرفة ويسميها البعض “المنظرة” أو “المرفع”. في بعض المحافظات، وكانت هذه الغرفة العلوية تُستخدم لمشاهدة الطريق وحركة المارة  في الحارة، إضافة إلى الاستمتاع بالهواء العليل وقت المساء. وتمتاز بنوافذها المطلة على الجهة الشرقية من حارة الرمل، حيث تبدو المزارع والنخيل ممتدة أمام الحارة، وتدخل رائحة التراب المبلل بالماء مع نسمات الصباح الهادئة. ومن الجهة الأخرى كانت النوافذ تكشف جبل كاواس والمناطق الممتدة جنوب الجبل والقريبة منه، فتظهر شامخة بلونها الذهبي ساعة االشروق، وكأنها تحرس الحارة وسكانها منذ زمن بعيد.

وقد بُنيت البيوت العُمانية القديمة من الطين والحجارة والجص، مع استخدام الأخشاب وجذوع النخيل في الأسقف والأبواب. وكانت سماكة الجدران تتراوح بين خمسين وثمانين سنتيمترًا، مما يجعل البيت دافئًا في الشتاء وباردًا في الصيف. كما صُممت النوافذ صغيرة نسبيًا للمحافظة على اعتدال درجة الحرارة داخل الغرف، بينما تساعد فتحات التهوية، مثل «الفرخة» التي تتوسط المطبخ، وكذلك «المراق» وهي فتحة تقع في أعلى الجدران قبل السقف، إضافةً إلى الأسطح العالية، على تجديد الهواء باستمرار.

ورغم بساطة تلك البيوت، فإنها كانت مليئة بالدفء الإنساني والطمأنينة. فالجار يعرف جاره، والأطفال يملؤون الأزقة لعبًا وضحكًا، والأبواب تبقى مفتوحة معظم الوقت. وكانت الحياة تسير بهدوء بعيدًا عن صخب العصر الحديث، حيث تكفي جلسة في السبلة أو الوقوف عند الباب وقت المغرب لصناعة ذكريات تبقى في القلب مدى العمر.

إن بيتنا في حارة الرمل لم يكن مجرد جدران وسقف، بل كان عالمًا كاملًا يحمل أصوات الأهل ورائحة القهوة ودفء الطفولة. وما زالت صور الباب الخشبي، والحوش الصغير، والدوهريز، والغرفة العلوية المطلة على المزارع وجبال كاواس، تسكن الذاكرة كأنها جزء من روح المكان. فالبيوت القديمة، مهما تقادم الزمن، تبقى شاهدة على بساطة الحياة وجمالها، وتحفظ تاريخ الناس وملامح أيامهم الجميلة.

وعلى الخير نلتقي وبالوفاء نرتقي ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى