
خلف قناع “أنا بخير” : نداءٌ صامت للإنصات
ياسمين عبدالمحسن إبراهيم
مديرة تطوير الأعمال – شركة رواق الابتكار
كم مرة نطقناها بآلية باردة: “أنا بخير”؟ هي ربما الجملة الأكثر استهلاكاً في لغتنا اليومية، والأكثر إخفاءً للحقيقة في ذات الوقت، أحياناً لا نقولها لأننا حقاً بخير، بل نتخذها درعاً نحتمي به حين تخوننا المفردات، وحين تعجز لغتنا عن ترجمة الفوضى التي تعتمر في صدورنا.
قوقعة الصمت..
نحن نختبئ خلف هذه الكلمات القصيرة هرباً من أن نكون عبئاً ثقيلاً على من حولنا، أو خوفاً من أن نصطدم بجدار عدم الفهم، هناك أرواحٌ تتألم في صمت، تبتلع غصاتها وتنسج من كلمة “بخير” قوقعة تختبئ فيها، تماماً كسلحفاة تأوي إلى درعها لتحتضن غيمة حزنها بعيداً عن قسوة الخارج. وراء هذه الكلمة البسيطة، قد يكمن خوفٌ عميق، أو إرهاقٌ استنزف الروح، أو حزنٌ متراكم لم يجد الكلمات التي تعبر عنه.
مساحة آمنة بلا أحكام..
المفارقة أن من يطلق هذا النداء الصامت لا يبحث بالضرورة عن عصا سحرية أو حلول جذرية لمشاكله، الإنسان في لحظات ضعفه وانكساره يحتاج ببساطة إلى من يمنحه “مساحة آمنة”، يحتاج إلى أذن تُصغي بحنو، بلا أحكام مسبقة، وبلا نصائح معلبة، يحتاج إلى من يشعره بأن مشاعره مشروعة ولا تتطلب التبرير، الإنصات الحقيقي هنا يتحول إلى طوق نجاة، يفك تلك الخيوط المتشابكة في الروح ليسمح لزهرة الطمأنينة بالتفتح من جديد.
مفتاح الاهتمام الحقيقي..
لذا في المرة القادمة التي تقف فيها أمام إنسان وتسمعه يتمتم بعبارة “أنا بخير”، توقف قليلاً، لا تكتفِ بالمرور السطحي على إجابته الأولى، أظهر له اهتمامك الحقيقي، وانظر إلى ما وراء الحروف؛ فخلف ستار “أنا بخير”، قد يكون هناك قلبٌ ينتظر بلهفة أن تسأله مرة أخرى. كن أنت المفتاح الذي يفتح أبواب أرواحهم الموصدة، ودع اهتمامك الصادق يكون النور الذي يبدد عتمة وحدتهم ويخبرهم أنهم ليسوا بمفردهم.








