بأقلام الكُتّابمقالات وآراء

هل نعيش الواقع أم نُعايش الواقع؟

سُلطان بن خلفان اليحيائي

 

 

يظن كثيرون أن العبارتين تحملان المعنى ذاته لكن بينهما فرقًا يصنع الفارق بين أمةٍ تقود وأخرى تُقاد.

فالذي يعيش الواقع هو من كان جزءًا من صناعته شارك في رسمه وأسهم في تشكيل ملامحه فإذا تغيّر كان له فيه رأي وإذا انحرف كان قادرًا على تصحيحه.

أما الذي يُعايش الواقع فلم يصنعه وإنما استيقظ ليجد كل شيء قد رُسم له مسبقًا فلم يجد إلا أن يتأقلم ويتكيّف ويتحمّل ويبحث عن أقل الخسائر.

ولهذا فليس كل من يعيش داخل واقعٍ ما يكون قد عاشه فكثيرون لا يفعلون أكثر من معايشته.

فعندما يخطط شخص لكل التفاصيل ثم يدعوك إلى السير في المسار الذي رسمه فأنت لا تعيش خطتك بل تُعايش خطته.

وعندما تُرسم لك خارطة وتُحدد لك الاتجاهات ويُقال لك لا تخرج عنها فأنت لا تعيش الاتجاه بل تُعايشه.

وحين يُحتكر القرار من لدن شخص واحد فلا تبقى مساحة لفكرة ولا لرأي ولا لنقاش فإن الناس لا يكونون إلا منصتين فلا يعيشون واقعهم بل يُعايشون واقعًا صُنع لهم دون أن يكون لهم فيه أثر.

وكذلك هو حال الأمم..

فالأمة التي تصنع قرارها وتبني اقتصادها وتنتج غذاءها وتمتلك علمها وتقنيتها هي أمة تعيش واقعها لأنها شاركت في صياغته.

أما الأمة التي تكتفي بردود الأفعال وتنتظر ما يُملى عليها فإنها لا تفعل أكثر من معايشة واقع رسمه غيرها.

ولعل هذا هو أحد أكثر الأسئلة إلحاحًا في واقعنا العربي.

فما الذي ينقصنا كأمة عربية حتى يُنظر إلينا وكأننا أمة فاقدة للأهلية في صناعة مستقبلها؟

فنحن نملك الموقع والثروات والطاقة والأسواق والعقول ومع ذلك ما زلنا في كثير من القضايا المصيرية نتحرك داخل هوامش ضيقة بينما تُرسم التحولات الكبرى خارج دائرتنا ثم نجد أنفسنا منشغلين بكيفية التكيف معها أكثر من انشغالنا بصناعة بدائلها.

وليس المقصود إنكار تعقيدات النظام الدولي أو موازين القوى فهذه حقائق لا يمكن تجاوزها لكن الأمم الحية لا تجعلها قدرًا دائمًا بل تعمل على تغييره بالتدرج وبناء القوة وتراكم الإنجاز حتى يصبح لها موضع قدم في صناعة القرار لا في تلقي نتائجه.

ومن هنا تبدو الحاجة إلى مراجعة صادقة لمنظومة العمل العربي المشترك وآليات التنسيق بين دوله بما يجعلها أكثر قدرة على صناعة المبادرة لا مجرد التفاعل مع الأحداث. ولسنا نفتقر إلى البيانات ولا إلى القمم وإنما نفتقر إلى مشروع عربي يصنع المبادرة قبل أن يكتفي بإدارة الأزمات.

ولذلك تتكرر المشاهد مع كل أزمة عربية إذ تُرسم الخطوط الكبرى في الخارج ثم يُطلب منا أن نتعامل مع ما رُسم فننشغل بإدارة الواقع بدلًا من صناعته ونبحث عن أقل الخسائر بدلًا من صناعة أفضل المكاسب.

وهنا تكمن أزمة السيادة..

فليست السيادة علمًا يرفرف ولا نشيدًا يُردد وإنما هي قدرة على اتخاذ القرار وبناء الاقتصاد وإنتاج المعرفة وامتلاك التقنية وصناعة الغذاء وحماية الأمن. فمن امتلك هذه الأدوات امتلك القلم الذي يرسم المستقبل ومن فقدها لم يجد إلا أن يقرأ ما كتبه غيره.

وصناعة الواقع لا تبدأ بالشعارات وإنما تبدأ ببناء الإنسان وإصلاح التعليم وتعظيم البحث العلمي وإطلاق الاقتصاد المنتج وترسيخ المؤسسات القادرة على صناعة القرار. فهذه هي الأدوات التي تنقل الأمم من معايشة الواقع إلى صناعته.

إن أمتنا لا ينقصها التاريخ المشرّف ولا الإنسان المُبدع ولا الموارد وإنما ينقصها أن تتحول من رد الفعل إلى الفعل ومن استهلاك الإنجاز إلى صناعته ومن انتظار المبادرات إلى إطلاقها ومن التفرق عند الأزمات إلى التكامل في مواجهة التحديات.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس كيف نتعايش مع الواقع بل متى نصنع واقعنا؟

متى يصبح قرارنا نابعًا من مصالحنا وتصبح أولوياتنا من احتياجات شعوبنا ويصبح مستقبل أبنائنا مشروعًا نكتبه نحن لا صفحات تُكتب لنا؟

لقد آن للأمة أن تدرك أن التبعية لا تصنع أمنًا وأن الارتهان لا يبني مستقبلًا وأن احترام العالم لا يُمنح لمن ينتظر بل لمن يملك أسباب القوة ويحسن توظيفها.

فالأمم لا تُقاس بما تملكه في حاضرها فحسب وإنما بما تمتلكه من قدرة على صناعة مستقبلها وبين هذين الأمرين تتحدد مكانتها في التاريخ.

فالواقع لا يكتبه الأقوى وحده بل يكتبه أيضًا الأكثر استعدادًا.

فيا أمّتي..

أما آن لك أن تنتقلي من موقع المتلقي إلى موقع الشريك في صناعة المستقبل؟

كفى أن نبقى أسرى واقعٍ يرسمه غيرنا ثم نختلف في كيفية التكيف معه.

وكفى أن تظل أقلام رسم مستقبل أمتنا في أيدي الآخرين بينما نقف نراقب ما يُكتب لنا وما يُفرض علينا.

فلنصنع أقلامنا بأيدينا ولنكتب بها اقتصادنا وعلمنا وتقنيتنا ووحدتنا وقرارنا ولنرسم مستقبل أجيالنا بإرادة عربية تثق بنفسها وتؤمن أن مكانها الطبيعي هو أن تكون شريكًا في صناعة العالم لا متلقيًا لما يصنعه الآخرون.

وحينها فقط نستطيع أن نقول بثقة إننا لم نعد نُعايش الواقع بل أصبحنا نعيشه لأننا نحن من شارك في صناعته ولن ينازعنا أحد حقنا في رسم واقعنا وبناء مستقبل أجيالنا القادمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى