
الأبعاد البنائية والتنظيمية للتحوٌّل الرقمي في التنظيمات
الدكتورة/ سامية بنت عوض بن عبدالله باصديق
متخصصة في الأداء التنظيمي
إن بناء الاستراتيجيات الرشيدة يستوجب إلماماً وفهماً متجذراً للمتغيرات التنظيمية والبنائية، وإن اختيار النوع الصحيح من الاستراتيجيات يبني- بلا شك- تناغماً وانسجاماً يحقق نجاحاً باهراً في التنظيمات. استراتيجيات التغيير في أيِّ تنظيم يجب أن تستند إلى الرضا التام لأنها تعد ركيزة للاستمرارية، وإن لم يتحقق هذا الرضا فإن مصيرها سيكون الانهيار. وتعد المنطقية والعقلانية من أهم خصائص التغيير الهادف؛ حيث أنها تكون بمكانة البديل الذي يمكن الاعتماد عليه وِفقاً للموارد المتاحة والممكنة، وأنها لا تقع ضمن دائرة الأحلام والطموحات غير المنطقية.
يتعين على أية منظمة عند الشروع في خطوة التحوٌّل الرقمي وضع خطة واضحة وتحديد المراحل الزمنية اللازمة لكلِّ مرحلة، وفي هذا السياق صاغ Cuesta,Tuesta استراتيجيات محددة للتحوٌّل الرقمي هي :
• استراتيجية الاستجابة للمنافسة الجديدة.
وذلك بهدف خلق تفاعلٍ جيد للمنظمة مع التغيرات المحيطة بها؛ والتي تفرض واقعاً تنافسيا ًيؤدى إلى تطوير الخدمات والمنتجات بحلةٍ رقمية جديدة.
• استراتيجية التكييف التكنولوجي.
وهو إحداث نقلة نوعية في الهيكلة التحتية للمنصة الالكترونية وتحويلها إلى بٌنيان تكون أكثر مرونة؛ لاستيعاب تقنيات جديدة تساهم في تسريع عملية التطوير وتقديم المنتجات.
• استراتيجية التموضٌع.
وتٌعنى بتحويل استثمارات المؤسسات الرئيسة إلى استثمارات تكنولوجية عن طريق اعتماد استراتيجيات رقمية تغيِّر من الشكل التنظيمي للمؤسسة؛ الأمر الذي يجعلها رائدة في مجال العمل.
شركة أمازون ويب سيرفيز AWS قد حدّدت قائمة مرجعية لبناء استراتيجية للتحوٌّل الرقمي الناجح عبر عدة مرتكزات تتمثّل في التالي :
• تحوٌّل الرؤية : من خلال إعادة التفكير في المنهج والطريقة لتحقيق الهدف؛ مما يتطلّب إعداد رؤية واضحة للانطلاق.
• اعتماد ثقافة التغيير : في ما يخص تحويل الهيكل التنظيمي من التسلسل الهرمي التقليدي إلى فٌرقٍ أصغر.
يلي ذلك تحوٌّل ثقافة المؤسسة وبيئة العمل. وذلك الأمر قد يتطلب التركيز على ممكِّنات أساسية في التغيير تتمثل في التالي :
العامل البشري : وهو الذي يٌحدِث الفرص، وإن ذلك يتطلّب تمكينه داخل المؤسسة في كلِّ مرحلة من مراحل الٌّتحول الرقمي.
المؤسسة العضوية : التي قد تصير بديلاً عن التسلسل الهرمي من خلال استخدام أساليب متطوِّرة ومبتكرة؛ مع عدم الاعتماد على التسلسل الهرمي الذي يعيق حركة التحول الرقمي؛ بسبب عدم القدرة على تطبيق فكرة روح الفريق
الإدارة بالقيم : وذلك من خلال توظيف الطاقات الكامنة في العنصر البشري ويتم هذا بالتركيز على العلم والضمير والأخلاق العالية.
تغيير نموذج التكلفة : وهو تحديد خطواتٍ خلاقة؛ لابتكار عمليات جديدة تتصدى للتحديات والمعوِّقات التي تحول دون استثمارات مالية كبيرة.
بدء الأعمال في سحابة : بحيث يتيح ذلك تحديثات البرامج والأمن على الصعيد الداخلي والعملاء.
تتبٌّع عملية التقدم : وهو رصد التحسٌّن في جميع خطوات مراحل التحوٌّل الرقمي، وإنشاء مقاييس لقياس عملية التقدم.
التحوٌّل الرقمي له أبعاد استراتيجية مختلفة في الدول العربية حسب مؤشر الاقتصاد الرقمي العربي هي :
• الأسس الرقمية : ويٌقصد بها تحسين البنية التحتية للمعلومات والاتصال التي تمكِّنها من مواكبة التغييرات المتسارِعة والمتجدِّدة للتكنولوجيا.
• الابتكار الرقمي :
الذي يهدف إلى تطوير نظم معلوماتية للتعليم تساعد المهارات على الابتكار؛ لمسايرة الواقع التكنولوجي المعاصِر والمستقبلي.
• الحكومات الرقمية :
وهي تختص بتحسين كفاءة المؤسسات الحكومية وتحويلها لحكوماتٍ رقمية تستهدف الاستثمار في مجال التكنولوجيا والاتصالات؛ بهدف خدمة المواطنين بكفاءةٍ عالية.
• الأعمال الرقمية :
هذا البعد يختص بتمكين الشركات من الاستخدام الأمثل لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات.
• المواطن الرقمي :
وذلك يتمثّل في تحسين البيئة التحتية وتوفير مستوى مناسب من التعليم مع مناخ جيد وجاذب لصناعة المهارات وتطويرها لتعظيم استفادة الأفراد؛ وبالتالي رفع جودة الحياة بالنسبة للمواطنين.
ثانياً : المجال البنائي والتنظيمي..
طبيعة الأشياء من حولنا إن كانت تتغير وتتطور باستمرار؛ والمنظمة باقية على حالها دون إحراز أي تقدٌّم؛ فإنه سيكون مصيرها الضياع والهلاك. وهذا التطوٌّر الطبيعي قد حتّم على المنظمات السعي إلى الحصول على مكان لها في الصدارة بأعلى مستوى كفاءة وفاعلية ممكنة.
في هذا السياق إن الأمر يتطلب تفعيل وظائف القيادة وشحذ الهمم نحو العمل الجماعي واعتماد إدارة التغيير.
وهذا الأمر قد يتطلب – بالضرورة – بناء موهبة محددة للتحوٌّل الرقمي تتميز بحسٍ استراتيجي قادر على التعرٌّف على العمليات بشكل دقيق؛ إلى جانب إعادة ومواءمة هندسة العمليات الجذرية.
الاهتمام بالتمكين الوظيفي للموظفين – على مستوى جميع الشرائح الوظيفية – لا بد من الاهتمام به؛ حيث يتعيّن على التنظيمات قبل الشروع في استراتيجية التمكين الوظيفي إحداث تغييرات هيكلية وتنظيمية وثقافية.
التمكين الوظيفي – عامةّ – يتطلب تطبيقاً فعالاّ حيث أنه لم تعد السيطرة على الآخرين تعبِّر عن الكفاءة الإدارية التي لن تتحقق إلا بالتخلي عن ممارسات البيروقراطية المتشددة؛ ليحل محلها تفويض الصلاحيات وتمكين الأفراد من تلك الصلاحيات، وتعميق الاتجاه بين المساءلة عن الانجازات وتحقيق النتائج والتمتٌّع بصلاحيات التصرف.
التطور التقني – بلا شك قد أصبح واقعاً معاشاً لإقامة وتأسيس العديد من الاستثمارات الواسعة؛ من خلال اقتصاد المنصات والتطبيقات الرقمية. بالإضافة إلى النقلة النوعية في أسلوب الإجراءات والممارسات لإدارة المؤسسات في ما يخص تقديم الخدمات والمنتجات.
المركز العالمي لتحويل الأعمال الرقمية يؤكد “إن التغيير التنظيمي هو أساس تحوٌّل الأعمال الرقمية” الأمر الذي يوضح أن تغيٌّر طبيعة فلسفة المنظمة ينعكس على طريقة أداء العمل والأفراد؛ وكل ما يخص – أيضاً – تغيير إجراءات العمل والاستراتيجيات اليومية لأداء مهام العمل.
الاقتصادي الانجليزي ألفرد مارشيل يؤكِّد – أيضاً – على ضرورة الاستثمار في رأس المال البشري؛ لأنه يٌعتبر هو الاستثمار الوطني الحقيقي، كما أشار – أيضا – إلى أن أفضل أنواع رأس المال هو رأس المال البشري.
عملية التحوٌّل الرقمي – كغيرها من العمليات التنظيمية في المنظمات المختلفة – تتعرض إلى العديد من التحديات التنظيمية التي تواجه الأجهزة الحكومية والمتمثلة في التالي :
• تحديات مواءمة تكنولوجيا المعلومات وأعمال المؤسسات المختلفة : قد يحدث انقطاع للمعلومات عن بعض الجهات نظراً لضعف مراكز التكنولوجيا فيها، غير أن ثمة تحدٍ يكمن في عدم التعاون خشية رؤية النتائج والتقارير، بالإضافة إلى التخوٌّف من أن هذه الأعمال الرقمية تتطلب خبرةً متخصصة في التكنولوجيا.
• تحديات قيود الميزانية المفروضة :
المنشآت الحكومية – عادةً – تتعرّض للعديد من المطبات المالية لأن عمليات الميزانية والصرف ذات طابع معقّد، وأن الإنفاق يمر عبر مراحل عدة تتمثّل في الفحص والتبريرات؛ غير أنه بالإمكان أن تٌتاح فرص أخرى للميزانية بشكلٍ غير متوقع.
وبناءً على ما سبق فأن المؤسسة التي تمتلك رؤية واضحة للتطور التكنولوجي يتسنى لها تنفيذ استراتيجية جيدة للتحوٌّل الرقمي؛ وإن كانت الفرص والموارد محدودة.
• تحديات المخاطر الكامنة : تختص هذه بالمتابعة والاستمرار في التقدم التكنولوجي من خلال متابعة المدخلات الجديدة للسجلات، بالإضافة إلى تحديات الأمن السيبراني الذي يحتاج لضوابط وخصوصية مع الاحتفاظ بأعلى معايير الامتثال لمجابهة المخاطر. وبالتالي فأن النظم الهشة والمتقادمة لا تستطيع الصمود أمام تلك التحديات.










