السلام الذي يبني الأسواق ولا يبني العدالة يبقى سلامًا وظيفيًا لا سلامًا تاريخيًا
الدكتور/ عدنان بن أحمد الأنصاري
محلّل سياسي ، وديبلوماسي ، وسفير سابق
وهنا تأتي القضية الفلسطينية بوصفها الاختبار الأكبر. فالاتفاقات الإبراهيمية فتحت مسارًا جديدًا في المنطقة وقُدمت رسميًا كإطار للسلام والتسامح والتعاون لكنها عمليًا نقلت التطبيع من كونه نتيجة لحل القضية الفلسطينية إلى كونه مدخلًا سابقًا عليها.
وهذا هو الفارق العميق بينها وبين مبادرة السلام العربية لعام 2002 التي عرضت التطبيع العربي الشامل مقابل الانسحاب من الأراضي المحتلة وقيام دولة فلسطينية وتسوية عادلة أي أن التطبيع كان ثمرة الحل لا بديلًا عنه.
القضية الفلسطينية ليست ملفًا إنسانيًا فقط وليست قضية حدود فقط بل هي عقدة الشرعية في الشرق الأوسط.
يمكن تجاوزها في البيانات ويمكن تطويقها اقتصاديًا ويمكن إزاحتها من جداول الأعمال لكنها تعود دائمًا لأنها ليست هامشًا في الوعي العربي والإسلامي بل جرحًا مركزيًا في تصور العدالة.
ولهذا فإن أي هندسة إقليمية لا تمنح الفلسطينيين دولة وكرامة وأمنًا وحقًا سياسيًا واضحًا ستظل هندسة ناقصة. قد تنتج صفقات لكنها لا تنتج وجدانًا. قد تفتح الأسواق لكنها لا تغلق المقابر. قد تصنع مؤتمرات استثمار لكنها لا تصنع شرعية تاريخية.
التدهور الحالي بين أمريكا وإيران وإسرائيل يكشف أن الشرق الأوسط لم يدخل مرحلة السلام بل مرحلة إعادة توزيع المخاطر. فواشنطن تحاول بناء منظومة إقليمية تجمع الردع الملاحة الطاقة وإدماج إسرائيل في الإقليم. وإسرائيل تنظر إلى إيران باعتبارها الخطر الوجودي الأول. وإيران تنظر إلى هذا الترتيب بوصفه محاولة لتطويقها استراتيجيًا.
وقد ظهرت مؤخرًا مؤشرات على ربط أمريكي بين توسيع الاتفاقات الإبراهيمية ومسار التفاوض مع إيران بما يعني أن واشنطن ترى الاتفاقات لا كملف تطبيع فقط بل كجزء من هندسة أمنية أوسع للشرق الأوسط. كما أن الخلافات الأمريكية–الإيرانية حول اليورانيوم ومضيق هرمز والعقوبات تؤكد أن المنطقة ما زالت على حافة تسويات مؤقتة لا حلول نهائية.
وهنا تكمن الخطورة إذا أصبح السلام مع إسرائيل جزءًا من محور ضد إيران فقط فسيتحول من مشروع استقرار إلى مشروع اصطفاف. وإذا بقي الفلسطيني خارج المعادلة فسوف يصبح كل ازدهار اقتصادي قابلًا للاشتعال عند أول حرب في غزة أو القدس أو الضفة.
لا سلام تاريخيًا بلا عدالة فلسطينية.
ولا استقرار خليجيًا بلا احتواء ذكي لإيران.
ولا أمن إسرائيليًا دائمًا بالقوة وحدها.
ولا قيادة أمريكية ناجحة إذا اكتفت بإدارة التوازنات وتجاهلت جذور الانفجار.
النظام لا يقوم فقط على توازن القوة بل على شعور عام بالشرعية.
وهذه هي عقدة الشرق الأوسط اليوم : هناك محاولات لبناء توازنات جديدة لكن الشرعية ما زالت ناقصة.
المستقبل سيحكم على الاتفاقات لا بما فتحته من أسواق بل بما أغلقته من جراح.
فإن تحولت إلى بوابة لحل عادل للقضية الفلسطينية وضمان أمن الدول وتهدئة المواجهة الأمريكية–الإيرانية–الإسرائيلية فقد تصبح بداية سلام تاريخي. أما إذا بقيت مجرد شبكة مصالح فوق أرض مشتعلة فإنها ستظل سلامًا وظيفيًا :
نافعًا في التجارة، وهشًا في السياسة، عاجزًا أمام الدم. فالسلام الذي لا يرى الطفل الفلسطيني ولا يطمئن الخليج ولا يحتوي إيران ليس سلامًا بل هدنة طويلة بملابس اقتصادية.
والمنطقة اليوم أمام سؤالها الكبير :
هل نبني شرقًا أوسط جديدًا على العدالة؟
أم نبني أسواقًا فاخرة فوق زلزال مؤجل؟
المنطقة لا تعاني من نقص في الاتفاقيات بل من نقص في العدالة المؤسسة للشرعية.
فكل سلام لا يلامس الجرح الفلسطيني ولا يعالج معنى الاحتلال والكرامة والسيادة يتحول إلى إدارة مصالح لا إلى مصالحة تاريخيّة.
في السياسة الدولية لا يكفي أن تصمت المدافع لكي يولد السلام فقد تسكت المدافع لأن ميزان القوة فرض ذلك أو لأن الأسواق احتاجت إلى ممرات آمنة أو لأن الدول تعبت من كلفة الحرب. لكن السلام الحقيقي لا يولد من التعب وحده بل من الاعتراف:
الاعتراف بالحق وبالذاكرة وبالمظلمة وبأن الإنسان ليس تفصيلًا صغيرًا في خرائط الجغرافيا الكبرى.
إن النظام الدولي لا يستقر بالقوة وحدها بل بشرعية تقبلها الأطراف. وبما ان السلام ليس غياب الحرب فقط بل تنظيمٌ للقوة داخل إطار سياسي مقبول.وبما ان السياسة لا تفهم إلا من خلال القوة و حين تنفصل عن الحكمة تتحول إلى سبب للفوضى لا للاستقرار.
السلام الوظيفي هو سلام المصالح: موانئ تجارة تكنولوجيا طاقة خطوط طيران استثمارات تنسيق أمني. وهو قد يكون مفيدًا وضروريًا لكنه يبقى هشًا إذا قام فوق أرض سياسية ملتهبة.
أما السلام التاريخي فهو سلام المصالحة : يعترف بالمظالم، يعالج أصل النزاع، يمنح الشعوب أفقًا سياسيًا، ويحوّل العدو من خطر وجودي إلى جار يمكن التعايش معه.










