فلسفة القوة الناعمة..
الدكتور/ عدنان بن أحمد الأنصاري
محلّل سياسي ، وديبلوماسي ، وسفير سابق
عُمان ليست دولة تبحث عن البطولة في ساحات الصدام بل عن الحكمة في منع الصدام من أن يصبح قدرًا.
ليست دولة تفرّ من المواجهة لكنها لا تدخلها إلا حين تصبح الكرامة والسيادة والحق خطوطًا لا تقبل المساومة. وهي في سلمها قوية وفي صمتها واعية وفي حلمها يقظة وفي دفاعها عن نفسها تعرف أن للسيادة حرمة وللأرض ذمة وللوطن رجالًا إذا دعت الحاجة كانوا كالطود لا تكسره الريح وكالبدر لا يناله الضباب.
هكذا تتكلم عُمان في ميزان الزمان لا أؤذي أحدًا ولا أسمح لأحد أن يؤذيني لا أبيع شيمي ولا أفرط في جاري ولا أستبدل الحكمة لضجيج. فمن فهم صمتي أدرك قوتي ومن ظنه هوانًا أساء قراءة التاريخ والجغرافيا والإنسان .
لقد طافت عُمان في لجة الأيام مبتحرة عرفت المرارة وواجهت العواصف وعايشت تقلبات الإمبراطوريات وصعود القوى الكبرى وسقوطها. لكنها خرجت من هذا التاريخ وهي تدرك أن الحياة السياسية ليست سباقًا يكسبه من نال مالًا أو أكثر ضجيجًا بل يكسبه من عاش محترمًا ومن صان قراره ومن جعل استقلاله السياسي قيمة لا تُساوم.
وفي القضايا العالمية تنطلق عُمان من قاعدة أخلاقية واستراتيجية في آن واحد:
(لا تطلب النور من نار بلا حطب ولا الرجاء ممن أدمن العدم. )
هذه ليست رومانسية سياسية بل فهم عميق لطبيعة الجغرافيا العُمانية.
فمن يجاور البحار والمضائق وطرق التجارة لا يستطيع أن يعيش بعقلية العزلة أو المغامرة.
ومن يقف قريبًا من خطوط التماس الكبرى يدرك أن أول الحرب قد تكون كلمة وأن آخر الحكمة قد يكون صمتًا محسوبًا.
لذلك لم تجعل عُمان من موقعها الجغرافي أداة ابتزاز ولا من ممراتها سببًا للصدام بل جعلت من الجغرافيا مسؤولية ومن السيادة أمانة ومن الاستقرار رسالة.
لكن الخطأ الأكبر أن يُقرأ الصمت العُماني بوصفه هوانًا.
فهناك فرق بين الدولة التي تصمت لأنها عاجزة والدولة التي تصمت لأنها واثقة.
وفرق بين من يتجنب الحرب خوفًا ومن يتجنبها لأنه يعرف كلفتها ويملك بدائلها.
فالليث قد يصمت لا لأنه فقد مخالبه بل لأنه لا يبعثر قوته في كل استفزاز وعُمان في هذا المعنى دولة لا تبدأ بالأذى ولا تتغذى على الخصومات لكنها إذا جِير عليها فإن لها أسلوبها في الذود عن نفسها:
إن الطود الشامخ لا تكسره الريح والضباب لا ينال من البدر والقِمم.
وكذلك الدول الراسخة لا تهزها العبارات العابرة ولا تُسقطها الحملات ولا تُخرجها الاستفزازات من هندسة العقل إلى فوضى الانفعال.
فالقوة الحقيقية ليست في الرد السريع دائمًا بل في اختيار لحظة الرد ونوع الرد ومقدار الرد والرسالة التي يحملها الرد.
(من لم يحفظ الذمم مات غريبًا ولو ساد زعمًا. )
هذه قاعدة تصلح للدول كما تصلح للأفراد.
فالدولة التي لا تحفظ العهد ولا تصون الجوار ولا تحترم الثقة قد تبدو قوية في لحظة لكنها تعيش غربة استراتيجية طويلة.
أما عُمان فقد بنت رصيدها لأنها لم تجعل العلاقات الدولية سوقًا للمقايضة الرخيصة بل مجالًا لصيانة الكرامة وبناء الجسور وإطفاء الحرائق قبل أن تصبح حروبًا.
لذلك فإن أي اعتداء على عُمان لا يواجه دولة فقط بل يواجه ذاكرة وطن ومجتمعًا يعرف معنى الأرض وشعبًا لا يرى في وطنه مجرد حدود بل بيتًا جامعًا وميراثًا لا يُفرط فيه.
(إن العظيم إذا ضاقت مذاهبه بنى من الحزن صرحًا. )
وهذه هي عُمان في لحظات الشدة:
لا تحوّل الألم إلى فوضى بل إلى نظام ولا تحوّل الخطر إلى انتقام أعمى بل إلى يقظة استراتيجية. (تمشي الهوينا وفي أعماقها لهب لكنها بثياب الصبر قد لُجمت. )
وهذا هو جوهر القوة الرشيدة أن تمتلك القدرة ولا تستعبدك وأن تملك الغضب ولا يحكمك وأن تعرف أن ضبط النفس في السياسة ليس ضعفًا بل أعلى مراتب السيادة على القرار.
(عش كالسحاب يعطي الأرض بهجتها وارحل صموتًا وخل القول والتهم. )
أي أن أثر الدولة لا يُقاس بما تثيره من ضجيج بل بما تتركه من طمأنينة وما تمنعه من حروب وما تحفظه من كرامات وما تبنيه من ثقة بين المتخاصمين.
وفي زمن تزداد فيه القضايا العالمية تعقيدًا من الحروب المفتوحة إلى اضطراب الطاقة والممرات البحرية ومن تراجع القانون الدولي إلى صعود سياسات القوة تظل عُمان نموذجًا لدولة تفهم أن العالم لا يحتاج إلى مزيد من النار بل إلى من يعرف كيف يمنع النار من أن تصبح قدرًا.
وهي لا تدّعي أنها تملك مفاتيح العالم لكنها تملك شيئًا نادرًا:
احترام الآخرين لصدقها وثقتهم بأنها لا تطعن من الخلف ولا تفتح بابًا للحوار كي تنصب فخًا ولا ترفع راية السلام لتخفي مشروع هيمنة.
(إن الفجر آتٍ ليمحو ما الزمان رمى. )
فالضجيج يضعف والحملات تنتهي والتوترات تمر لكن أثر المواقف يبقى كالنقش إذا ما صاحبه عدم.
لذلك تبقى عُمان لأنها لم تبنِ صورتها على دعاية عابرة بل على سلوك طويل.
وتبقى لأنها أدركت أن الاحترام الدولي لا يُشترى بل يُكتسب بتراكم المواقف.










