بأقلام الكُتّابمقالات وآراء

عندما اكتشف الوحوش أن الخوف ليس الحقيقة كلها.. “كيف تعلمنا المرونة النفسية أن نصادق ما نهرب منه ؟”..

ياسمين عبدالمحسن إبراهيم

مديرة تطوير الأعمال
شركة رواق الابتكار

“حالة طوارئ! حالة طوارئ !”..

تتعالى صفارات الإنذار في فيلم شركة المرعبين المحدودة بمجرد الاشتباه في وجود طفل بشري داخل عالم الوحوش. يركض الجميع في حالة من الذعر، وتتحول الشركة إلى خلية أزمة كاملة. بالنسبة لهم، كان الأطفال مصدرًا للخطر والتلوث والتهديد.

لكن ماذا لو أخبرتك أن كثيرًا منا يعيش المشهد نفسه يوميًا؟

ليس مع الأطفال بالطبع، بل مع مخاوفه الخاصة.

فكرة جديدة، تجربة مختلفة، خسارة محتملة، أو حتى شعور بالحزن والقلق… كلها قد تتحول في أذهاننا إلى “حالة طوارئ” تستدعي استنفارًا نفسيًا كاملًا. نبالغ في تقدير الخطر، ونستهلك طاقتنا في المقاومة أكثر مما نستهلكها في الفهم.

ما يجعل فيلم شركة المرعبين المحدودة أكثر عمقًا مما يبدو عليه، هو أنه لم يكن يتحدث عن الأطفال بقدر ما كان يتحدث عن الخوف من المجهول.

عندما التقى “سولي” بالطفلة “بو”، اكتشف شيئًا صادمًا: ما كان يخشاه طوال حياته لم يكن كما تصور. لم تكن الطفلة مصدرًا للخطر، بل كانت كائنًا صغيرًا يبحث عن الأمان والحب والاهتمام. فجأة، بدأ جدار الخوف في الانهيار، وبدأت الحقيقة في الظهور.

وهنا تبدأ رحلة تشبه تمامًا ما يحدث داخلنا عندما نمارس المرونة النفسية.

فالمرونة النفسية ليست غياب الخوف، وليست القدرة على تجاهل المشاعر الصعبة أو إنكارها. إنها القدرة على التعامل معها بوعي واتزان دون أن نسمح لها بالسيطرة على قراراتنا أو تعطيل مسيرتنا. هي أن نعترف بوجود الخوف دون أن نسلمه زمام القيادة.

في كثير من الأحيان، لا تكون المشكلة في المشاعر نفسها، بل في الطريقة التي نتعامل بها معها. نحاول إخفاء القلق، ومقاومة الحزن، ومحاربة الخوف، وكأنها أعداء يجب التخلص منهم بأي ثمن. بينما قد تكون هذه المشاعر رسائل داخلية تحتاج إلى الإصغاء والفهم.

فالخوف قد يذكرنا بما نهتم به حقًا، والقلق قد يكشف لنا ما يحتاج إلى تخطيط أفضل، والحزن قد يعبر عن قيمة شيء أو شخص كان له أثر في حياتنا.

تمامًا كما اكتشف سولي أن الاقتراب من “بو” كان أكثر فائدة من الهروب منها، يمكننا أن نكتشف أن الاقتراب من مشاعرنا يمنحنا فهمًا أعمق لأنفسنا، ويمنحنا مساحة أوسع للنمو والتطور.

وفي نهاية الفيلم، حدث التحول الأكبر. أدركت شركة المرعبين أن الضحك ينتج طاقة أكبر من الصراخ. كانت الفكرة الثورية أن القوة لا تأتي دائمًا من التخويف والمقاومة، بل أحيانًا من التواصل والتفاهم وإعادة النظر في المعتقدات القديمة.

وهذا ما تفعله المرونة النفسية في حياتنا.

إنها تحول علاقتنا مع التحديات من معركة مستمرة إلى حوار واعٍ. تجعلنا نرى المشكلات بوضوح أكبر، ونبحث عن حلول واقعية، ونتحرك رغم وجود الخوف لا بعد اختفائه.

لعل أجمل ما تعلمنا إياه الحياة هو أن الشجاعة لا تعني ألا نخاف، بل أن نواصل السير ونحن نحمل مخاوفنا بوعي ورحمة وثقة.

فربما تكون بعض المخاوف التي نعلن بسببها حالة الطوارئ اليوم، مجرد “بو” أخرى… تنتظر منا أن نتعرف إليها قبل أن نحكم عليها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى