
الفضاء الرقمي بين حرية التعبير ومسؤولية الكلمة
خالـصـة الصـلـتـية
في زمن أصبحت فيه الكلمة قادرة على أن تعبر الحدود في لحظات، وأن تصل إلى آلاف العقول بضغطة زر، اكتسبت الكلمة المنشورة سلطة لا يستهان بها في تشكيل الوعي وصناعة المواقف والتأثير في المجتمعات. ومع اتساع هذا التأثير، أصبحت مسؤولية الكلمة موازية تماما لحرية التعبير عنها.
وفي هذا السياق، نشيد بصدور مرسوم سلطاني بإصدار قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، بما يعكس رؤية وطنية متوازنة تحمي الحريات وتصون مصالح المجتمع والدولة، وتؤكد أن التطور التقني لا ينفصل عن المسؤولية ولا يمكن أن يكون بعيدا عن القيم والثوابت التي يقوم عليها المجتمع العماني.
ومع اتساع حضور المنصات الرقمية في تفاصيل حياتنا اليومية، أصبحت الكلمة والصورة والمقطع المرئي أدوات قادرة على بناء الوعي أو تضليله، وتعزيز التماسك أو إثارة الفتن، وصناعة المعرفة أو نشر الوهم. ومن هنا تبرز الحاجة إلى ضوابط واضحة تميز بين حرية التعبير بوصفها حقا أصيلا، وبين الممارسات التي تتحول إلى إساءة أو تضليل أو اعتداء على حقوق الآخرين أو مساس بمصالح المجتمع.
إن تأييد هذه التشريعات لا ينطلق من الرغبة في تقييد الآراء أو الحد من مساحة التعبير، بل من قناعة راسخة بأن الحرية لا تنفصل عن المسؤولية، وأن للكلمة والمنشور أثرا قد يمتد إلى المجتمع وأمنه واستقراره وقيمه. فليس كل ما يقال يستحق أن ينشر، وليس كل ما يحقق تفاعلا يستحق أن يتداول، وليس كل ما يثير الجدل يعد رأيا يستحق الاحتفاء به.
لقد عشنا سنوات تحولت فيها بعض المنصات إلى مسارح مفتوحة لتصدير الغضب وتسويق الإساءة واستثمار الخلافات الشخصية وتحويلها إلى قضايا رأي عام. حتى غدا البعض يتعامل مع مشاعره العابرة باعتبارها مادة للنشر، ومع انفعالاته اللحظية باعتبارها حقائق تستحق التداول. فأصبحت الكلمة تكتب تحت وطأة الغضب قبل أن تمر على العقل، وأصبحت المشاهدات لدى البعض أهم من الحقيقة، والإثارة أكثر حضورا من المسؤولية.
واليوم، ومع هذه الضوابط، سيعيد كثيرون النظر فيما يكتبون وينشرون، وسيتراجع المحتوى الذي تصنعه الانفعالات أكثر مما يصنعه الوعي، والمحتوى الذي تكتبه ردود الأفعال أكثر مما تكتبه الحكمة. وهذا في حد ذاته مكسب للمجتمع، لأن الوعي يبدأ عندما يدرك الإنسان أن ما ينشره لا يظل شأنا شخصيا بمجرد خروجه إلى الفضاء العام، بل يصبح مؤثرا في الآخرين ومساهما في تشكيل وعيهم واتجاهاتهم.
فليس من حق أحد أن يعبث بعلاقات الوطن مع أشقائه وأصدقائه تحت مظلة الرأي الشخصي، وليس من المقبول أن تتحول المنصات إلى أدوات لنشر الشائعات أو إثارة الكراهية أو ممارسة التنمر والتشهير أو كشف خصوصيات الناس وخلافاتهم الأسرية من أجل تحقيق شهرة مؤقتة أو تفاعل عابر. كما أن حماية المجتمع من المعلومات المضللة ليست تقييدا للرأي، بل حماية للحقيقة، وحماية للعقول من العبث، وحماية للمصلحة العامة من التأثيرات السلبية التي قد تنشأ عن تداول الأخبار غير الموثوقة.
كما أن حماية الهوية العمانية ليست موقفا ضد الانفتاح، بل دفاع عن شخصية وطنية تشكلت عبر قرون من الاعتدال والتسامح والاحترام. فالأمم التي لا تحرس قيمها وثقافتها وهويتها تترك أبوابها مفتوحة لكل ما يشوه الذوق العام ويضعف تماسك المجتمع ويقوض منظومته الأخلاقية. ومن حق المجتمع أن يحافظ على خصوصيته الثقافية وقيمه الاجتماعية وأن يصون أبناءه من كل ما يسيء إلى تلك القيم أو يتعارض معها.
ولعل أخطر ما يواجه المجتمعات اليوم ليس اختلاف الآراء بقدر ما هو تآكل المعايير التي تضبط هذا الاختلاف. فعندما تختلط الحقيقة بالإشاعة، والحرية بالإساءة، والنقد بالتشهير، يصبح القانون ضرورة أخلاقية قبل أن يكون ضرورة قانونية. وعندما تتحول الإساءة إلى حرية، والتنمر إلى ترفيه، والتشهير إلى نقد، والشائعة إلى خبر، فإن المجتمع يفقد شيئا فشيئا قدرته على التمييز بين الحق والباطل، وبين ما يخدم المصلحة العامة وما يهددها.
ومن هنا تبرز القيمة الحقيقية لهذه التشريعات، فهي لا تكمن في العقوبات التي تفرضها بقدر ما تكمن في الرسالة التي ترسخها في الوعي العام، وهي أن الفضاء الرقمي ليس منطقة خارج القانون، وأن احترام الآخرين وصون قيم المجتمع والحفاظ على أمن الوطن واستقراره مسؤولية لا تسقط بمجرد الإمساك بالهاتف أو الوقوف خلف شاشة.
ويبقى الرهان الأكبر على وعي الأفراد وحسن استخدامهم للمنصات الرقمية بما يخدم المجتمع ويعزز قيمه. فالقوانين تضع الحدود، لكنها لا تصنع الضمير، والأنظمة تضبط السلوك، لكنها لا تغرس الحكمة. لذلك يظل الوعي الحارس الأول لكل ما ينشر في الفضاء الرقمي، وهو الضمانة الحقيقية لتحقيق الغاية التي وجدت من أجلها هذه التشريعات.
وخلاصة القول إن القضية لا تتمثل في المفاضلة بين حرية التعبير والتنظيم القانوني، بل في إيجاد التوازن الذي يحفظ الحق في إبداء الرأي ويصون المجتمع من تبعات سوء استخدامه. فحرية التعبير تزداد قيمة عندما تقترن بالمسؤولية، وتصبح أكثر أثرا عندما تسهم في بناء الوعي وتعزيز الثقة وحماية المصلحة العامة.
فليس كل ما نشعر به يستحق النشر، ولا كل ما نعرفه يستحق الإذاعة، ولا كل ما يحقق انتشارا يستحق أن يقال. فالكلمة أمانة، والوطن أمانة، والوعي أمانة أكبر. وحين تتقدم الحكمة على الانفعال، والمسؤولية على الرغبة في الظهور، والمصلحة العامة على نزوات اللحظة، يتحول الفضاء الرقمي إلى قوة إيجابية تدعم المعرفة وترسخ القيم وتحفظ تماسك المجتمع. وعندها تتحقق الغاية الحقيقية من حرية التعبير؛ أن تكون أداة للبناء والإصلاح، ومساحة للحوار المسؤول، وسندا لأمن الوطن واستقراره وتقدمه.









