بأقلام الكُتّابمقالات وآراء

رؤية شخصية في ذاكرة المكان.. حارة الرمل (15) “قنديل الحارة”

الكاتب أ. عصام بن محمود الرئيسي
مؤلف أعمال متخصصة في المراسم والسلوك الراقي

 

 

كان الضوء في حارة الرمل القديمة أكثر من مجرد وسيلة للإنارة؛ فقد كان جزءًا أساسيًا من الحياة اليومية، يُحافظ عليه بعناية كبيرة ويُعامل كما لو كان شيئًا حيًا له قيمة خاصة. ومن أبرز مظاهر ذلك الاهتمام القنديل (الفنر)، الذي شكّل في تلك الأيام إحدى أهم أدوات البيت ومصدرًا رئيسيًا للنور عند حلول الليل. لم يكن القنديل مجرد أداة للإضاءة، بل كان عنصرًا حاضرًا في تفاصيل الحياة اليومية. فقد اعتاد أهل البيت على تنظيفه باستمرار، ومسح زجاجه، أو تبديل فتيله، استعدادًا لمهمته الليلية التي لا تحتمل التقصير.
 

وخلال ساعات النهار كان يُعلَّق على أوتاد مثبتة في جدران البيت. والوتد، كما كان معروفًا آنذاك، عبارة عن غصن متين من الشجر يُثبَّت في جدار الطين، ويُستخدم لتعليق فرش المنزل وحفظها بعيدًا عن العبث والأتربة. وكان للقنديل مكانه المخصص على أحد تلك الأوتاد، فيقضي نهاره معلقًا بهدوء، وكأنه ينتظر حلول المساء ليعود من جديد مصدرًا للنور والحياة داخل البيت.

وما إن يبدأ الليل في النزول على الحارة حتى تبدأ طقوس إعداده؛ فيُنزل من موضعه، ويُملأ بالكيروسين (القاز) كما كنا نطلق عليه، ثم يُشعل فتيله لتنبعث منه شعلة صغيرة هادئة. لم يكن ضوؤه قويًا أو واسع الانتشار، لكنه كان كافيًا لإظهار الأشياء ومنح البيت إحساسًا خاصًا بالطمأنينة والدفء.

كما ارتبط القنديل برائحة مميزة ظلت عالقة في الذاكرة؛ رائحة القاز المشتعل التي كانت تمتزج بسكون الليل وأحاديث أفراد الأسرة، حتى أصبحت جزءًا من شعور الناس بالأمان. وكان انتشار تلك الرائحة الخفيفة إيذانًا ببدء الليل واستلام القنديل لمهمته المعتادة. امتاز ضوء القنديل بخصوصية لا تشبه ما عرفه الناس لاحقًا من وسائل الإنارة الحديثة. فلم يكن قويًا، لكنه كان دافئًا، ولم يكن واسعًا، لكنه كان قريبًا وحميميًا، أشبه بحضن صغير من النور وسط الظلام.

وكان منظر القناديل مألوفًا في البيوت وفي أيدي الرجال الذين يخرجون ليلًا، فتبدو وكأنها نقاط حياة تتحرك بصمت في سكيك الحارة. وقد حظي القنديل بمكانة خاصة لدى الجميع، حتى الأطفال كانوا يدركون أنه ليس لعبة يمكن العبث بها، بل أداة مهمة تستحق الاحترام والحذر.  وكان يُنظر إليه بوصفه وسيلة تخفف من رهبة الليل وتمنح الناس قدرًا من الطمأنينة في زمن كانت فيه الظلمة أكثر حضورًا.

ومن المواقف التي بقيت راسخة في الذاكرة حادثة سقوط القنديل في بيت احد الجيران من يد احد أفراد الأسرة ذات ليلة، مما أدى إلى انكسار زجاجته (شيشته) كما كنا نسميها نحن بلغة الحارة. وقد أثار ذلك غضب امهم وكان عتابها شديد، لأن توفير زجاج بديل لم يكن أمرًا يسيرًا في ذلك الوقت. ويكشف هذا الموقف مدى أهمية القنديل وقيمته الحقيقية، وهي قيمة لم تكن تُدرك كاملة إلا عند فقدانه أو تعطل دوره.

ولم يكن القنديل الزجاجي الوسيلة الوحيدة للإضاءة في ذلك الزمن، فقد عرف الناس أيضًا نوعًا أبسط وأقل كلفة كان يُعرف محليًا باسم «أبو سَحّة». وكان يتكوّن من قارورة صغيرة تُملأ بالكيروسين، وتُثبَّت في فوهتها «سَحّة» والسحة هي التمرة اللزجة أو جزء منها لتثبيت الفتيل وإبقائه مرتفعًا فوق سطح القاز، ثم يُشعل الفتيل ليمنح ضوءًا متواضعًا يكفي للحاجات اليومية البسيطة.

ورغم بساطة هذا المصباح، فقد كان حاضرًا في كثير من البيوت، خاصة عند الحاجة إلى مصدر إضاءة سريع أو قليل الكلفة.  أما القنديل الزجاجي المعروف بغطائه الواقي من الرياح والدخان، فكان يُعرف لدى بعض الأهالي باسم «الفنر»، وهو الاسم الذي ظل متداولًا بين الأجيال لسنوات طويلة. واليوم، عند استحضار تلك الذكريات، يتضح أن القنديل لم يكن مجرد وسيلة للإضاءة، بل كان رمزًا للأمان والاستقرار في زمن كان الليل فيه أوسع من الضوء.  وكانت الحارة بأكملها تعيش على نور القناديل، بين خوف لا يُقال وطمأنينة تصنعها أيدٍ بسيطة تعرف جيدًا كيف تحافظ على الضوء.
               وعلى الخير نلتقي والوفاء نرتقي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى