بأقلام الكُتّابمقالات وآراء

‏من إرث الصراع إلى صناعة المستقبل..

الدكتور/ عدنان بن أحمد الأنصاري

محلّل سياسي، دبلوماسي وسفير سابق

 

‏يدخل العالم اليوم عصرًا جديدًا تتراجع فيه قيمة الجغرافيا أمام قوة المعرفة وتتقدم فيه التكنولوجيا والاقتصاد والابتكار لتصبح أدوات النفوذ الحقيقية بين الأمم.

‏وفي هذا العالم الجديد لن تُقاس مكانة الدول بعدد المعارك التي خاضتها بل بعدد العقول التي أطلقت طاقاتها وعدد الفرص التي وفرتها لشعوبها وعدد الجسور التي بنتها بدلًا من المتاريس.

‏إن الشرق الأوسط يقف اليوم أمام مفترق طرق تاريخي إما أن يبقى أسير ذاكرة الصراع أو أن يتحول إلى فضاء للتعاون والتنمية والازدهار المشترك.

‏والأمم العظيمة لا تُعرف فقط بقدرتها على تذكر الماضي بل بقدرتها على صناعة المستقبل.

‏فما هو قادم يجب أن يكون زمن الحياة لا زمن المقابر وزمن البناء لا زمن الأنقاض وزمن الإنسان لا زمن الضحية.

‏وعندما تنتصر إرادة السلام على منطق الحرب لن يكون الرابح طرفًا واحدًا بل ستربح المنطقة كلها حقها الطبيعي في الأمن والاستقرار والازدهار وسيكتشف الجميع أن أعظم الانتصارات هي تلك التي تحفظ الدماء وتفتح أبواب المستقبل للأجيال القادمة.

‏عبر التاريخ لم تُقَس قوة الأمم بعدد الحروب التي خاضتها بل بعدد الأزمات التي استطاعت تجاوزها دون أن تفقد إنسانيتها.
‏فالحرب مهما حققت من مكاسب آنية تظل أداة استثنائية تفرضها الضرورات القصوى أما السلام فهو الحالة الطبيعية التي تزدهر فيها الحضارات وتُبنى فيها الأمم وتُصان فيها كرامة الإنسان.

‏لقد أثبتت تجارب التاريخ أن أعظم الانتصارات ليست تلك التي تُحسم على ساحات القتال بل تلك التي تُنتزع من دائرة الكراهية والخوف لتُحول الخصوم إلى شركاء في صناعة المستقبل.
‏فالقادة العظام لا يورثون شعوبهم ساحات مليئة بالأنقاض بل يورثونها أوطانًا آمنة ومؤسسات مستقرة وفرصًا للحياة الكريمة.

‏يخطئ من يعتقد أن السلام تنازل فالتاريخ يعلمنا أن الحرب قد تكون أحيانًا أسهل من السلام. فالحرب تُشعلها لحظة غضب أما السلام فيحتاج إلى شجاعة الرؤية وبعد النظر وقدرة استثنائية على تجاوز جراح الماضي.

‏لقد أشار العديد من كبار منظري العلاقات الدولية إلى أن الاستقرار المستدام لا يتحقق بتوازن الرعب وحده بل بتوازن المصالح.
‏فحين تشعر الشعوب بأن مستقبلها الاقتصادي والأمني مرتبط بالاستقرار يصبح السلام خيارًا عقلانيًا وليس مجرد أمنية أخلاقية.

‏ولهذا فإن السلام الحقيقي لا يُبنى على الخوف بل على الاعتراف المتبادل بالحقوق والمصالح والكرامة الإنسانية.

‏إن استمرار دوامة العنف لا يصنع منتصرين دائمين بل يصنع أجيالًا جديدة من الضحايا والأحقاد والمخاوف.
‏الأمن الحقيقي هو أن ينام الطفل مطمئنًا في بيته.
‏وأن يذهب الطالب إلى جامعته دون خوف.
‏وأن يبني المستثمر مشروعه دون قلق.
‏وأن يشعر المواطن بأن مستقبله مرهون بعمله وإبداعه لا بنتائج الحروب.
‏فالدول لا تصبح قوية فقط بما تملكه من أسلحة بل بما تملكه من استقرار وثقة ومؤسسات واقتصاد ومعرفة.

‏لا يمكن لأي عملية سلام أن تنجح إذا ظل كل طرف ينظر إلى الآخر بوصفه عدوًا أبديًا.
‏فالسلام يبدأ عندما يُنظر إلى الإنسان بوصفه إنسانًا قبل أي هوية أخرى.

‏يجب أن تنتقل المناهج والإعلام والخطابات السياسية من صناعة الخوف إلى صناعة التفاهم.
‏فالأجيال التي تتعلم الكراهية ستورثها لأبنائها أما الأجيال التي تتعلم الاحترام فستبني مستقبلًا مختلفًا.

‏إن المصالح الاقتصادية المشتركة من أقوى ضمانات السلام.
‏فالطرق التجارية والمناطق الصناعية ومشروعات الطاقة والمياه والتكنولوجيا قادرة على خلق مصالح تجعل الاستقرار حاجة مشتركة للجميع.

‏لا يمكن لأي سلام أن يعيش طويلًا إذا شعر طرف ما بأنه محروم من حقوقه الأساسية.
‏فالعدالة ليست عائقًا أمام السلام بل هي شرط استمراره.

‏الثقة لا تُفرض بقرار سياسي بل تُبنى عبر الزمن من خلال خطوات عملية متبادلة ومستمرة.
‏ ينبغي أن تتحول المنافسة من سباق التسلح إلى سباق المعرفة والابتكار والاقتصاد والتكنولوجيا.
‏فالمستقبل لن يكون للأكثر صواريخ بل للأكثر علمًا وإبداعًا وقدرة على بناء الإنسان.

‏إن التحدي الحقيقي أمام المنطقة اليوم ليس كسب حرب جديدة بل كسب معركة السلام.
‏فالحروب تُحسم خلال سنوات أما السلام فيحمي أجيالًا كاملة.
‏والنصر الحقيقي ليس أن يخسر خصمك بل أن يربح الجميع فرصة الحياة.

‏السلام ليس غياب الحرب فحسب بل حضور العدالة والأمل والفرص.
‏يمكن للإنسان أن يهدم في ساعة ما استغرق بناؤه قرونًا لكن بناء ما هُدم يحتاج إلى أجيال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى