صلح الحديبية .. المدلولات والنتائج لزمننا الحاضر..

الدكتور / م . محمد المعموري
صلح الحديبية .. المدلولات والنتائج لزمننا الحاضر..
تتجلى حكمة الله سبحانه وتعالى بما أوحى إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في “الوقت والمكان والمشاركة” على اتخاذ قرار السلم في “صلح الحديبة” مع قريش رغم تفوق المسلمين على (كفار قريش) وزيادة عدد المسلمين وامتلاكهم العدة التي تؤهلهم لخوض الحرب مع قريش ، الا ان تفوق المسلمين لم يجعلهم الساعين لسفك الدماء او يثخنوا في الارض الجراح لان الاسلام رسالة ربانية روحانية تمتلك مقومات السياسة العامة لإدارة الدولة الاسلامية الفتية ، ويمكنها التعامل مع تغيرات الواقع وثقافة المجتمع ، التي بناها الاسلام وشذب العوائق التي كانت تلحق بالمجتمع العربي في الجزيرة العربية آنذاك ، لتحل فكرة بناء العقيدة الثقافية المستندة الى عقيدة دينية ارست اسسها وقواعدها تعاليم السماء ليكون اول معلم يعلم البشرية كيفية اختيار الطريق الصيح لبناء المجتمع وتكوين البنية السياسية الثقافية العقائدية فيه.
لم يكن محمد (صلى الله عليه وسلم) قائدا عسكرا فحسب بل كان معلما وهاديا و كانت صفة المعلم تطغي بل تلغي صفة قائد الجيوش وكان الاسلام يحث ويشجع على بناء المجتمع، واول (بنية) في المجتمع “الاخلاق” ومن هنا قوله تعالى (وإنك لعلى خلق عظيم) وقول سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) إنما بعثت لأتمم مكارم الاخلاق .. وماهي الاخلاق وصفاتها التي كانت تنقص العرب في الجاهلية ، انها بناء المجتمع ؛ نعم كان العرب لا يسعون لبناء المجتمع أو تثقيفه على هذا النحو انما كانوا متجهين نحو القبلية فيأكل بعضهم لحم بعض وايهما الاقوى يستطيع ان يكون هو السيد بين القبائل.
جاء الاسلام فخاض معركتين ، معركة ضد القبلية ليحل محلها المجتمع الاسلامي المتحضر المزود بتعاليم بناء المجتمع من لدن عزيز حكيم ، فجمع الجمع حول هذه الفلسفة الجديدة واصبحت القبيلة تنصهر في مجتمع اسمه الاسلام فقط ، وعندما بني المجتمع الاسلامي الصغير وسط الفوضى الكبيرة بين القبائل التي تحارب الاسلام نجح المجتمع على التغلب على القبلية فاصبح المجتمع الاسلامي الفتي هو من يقود الفكرة التطورية التنويرية التي ارساها الاسلام وعزز مفرداتها فاصبح الفرد المسلم متآخي مع أخيه ، قال (صلى الله عليه وسلم) المسلم للمسلم كالبنيان المرصوص .. أما المعركة الاخرى والتي هي أقل أهمية من المعركة الأولى فكانت محاربة أعداء المجتمع الاسلامي الجديد (الاسلام) ، وكانت نتائجها واضحة في الانتصار على القبلية والتفتت والتفاخر لأن ركائز المجتمع الاسلامي الجديد أرسيت به معالم الوحدة والمساواة والعدالة ونكران الذات والإدارة الجماعية ، قال الله تعالى (أمرهم شورى بينهم) لذا كانت الغلبة لهم رغم تفوق قريش بالعدة والعدد .
وعندما جاءت اللحظة التي تفوق بها المجتمع الاسلامي الجديد على القبلية كان قرار سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) الهدنة والاتفاق مع قريش في صلح الحديبية والذي أصبح الصلح التاريخي الوحيد بين الجماعة المنتصرة والمتفوقة (المجتمع الاسلامي) على ثلة قريش المهزومة (سياسيا وعسكريا).
صلح الحديبية أول حجر أساس للاتصال بين المجتمع الاسلامي الحديث والمجتمع الاقليمي المحيط بالمسلمين خارج قريش ، ولسنا هنا بصدد بيان نتائج صلح الحديبية وما قدمه للمجتمع الاسلامي من نتائج اقليمية سياسية واجتماعية إلا اننا بصدد ان نقارن الحكمة والرأي في بناء اسس الدولة الاسلامية في ظل صلح كان المسلمين هم المنتصرين على قريش الا ان الحكمة في هذا الصلح ، هو كيف نبني المجتمع في ظروف نحن فيه المنتصرين او المنكسرين.
لم يكن سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) مرتديا لباس المعركة او متفاخرا بأنواع تلك الملابس ورتبها وقاماتها ولكنه كان يدعوا الى السلم والمحبة واصلاح المجتمع وهو في اوج قوته قال تعالى : إدعُ الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنه وجادلهم بالتي هي أحسن) نعم حكمه وموعظة ثم نقاش ، فإما اقتناع او رفض وفي كليهما يكون المنتصر ممن يملك الحكمة والرأي السديد.
ولأننا بصدد محيط صلح الحديبية ولسنا بمن يخوض في أسبابه او نتائجه الا اننا نريد ان نبين مدى الغفلة عن تتبع مسيرة سيد الخلق محمد (صلى الله عليه وسلم) في معالجة الأمور التي تخص بناء الدولة وديمومة وجودها وعدم السماح للأعداء من التلاعب بمصيرها ف (لباس) القائد لا يمكن ان يخلق منه قائد وشعار القيادة لا يمكن ان تنهض بالأمة ، قال سبحانه) ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا ان الله مع الصابرين).
نعم لا تنازعوا نعم للحوار نعم للكلمة الطيبة نعم للوقوف امام النقاط التي تجعل من الامة بعيده عن الصراعات والخوض في معارك اقليمية تأكل الاخضر واليابس وترمل النساء وتيتم الاطفال وتقتل الاقتصاد وتذهب نحو ظلمة الجهل والتشرد من اجل قائد ضرورة او قائد همام وضع نفسه المشرع والمالك لبلد وقوم ذهب بهم او يذهب بهم نحو المجهول لتصدع اصوات الشواذ مادحة ممجده بهذا القائد او ذاك الهمام.
تبّاً ألا تقرأون سيرة المصطفى؟! ألا تتبعون تعاليم السماء؟! أليس فيكم من يخشى يوم العذاب يوم لا ينفع مال ولا ملك؟! ويقف الشعب المسكين مسائلا ذاك القائد الهمام ، امام رب العباد..
إن صلح الحديبية هو الدستور الإلهي لإنهاء حالة الحرب والخوض في حالة بناء المجتمع وتأسيس ركائز الاقتصاد والتطور ، فنحن بحاجة الآن الى ترك الإعلام الثوري والاتجاه نحو السلم والعيش بسلام ، فكم من بلد عربي قُوِّضَت ركائزه في السنين الأخيرة وفشلت سياسات وانظمة كانت ممكن ان تنهض بالأمة نحو التطور وامتلاك ناصية العلم والتطور في جميع الاتجاهات.
نعم تشردت شعوب وترملت زوجات وتيتم أبناء وقتل اقتصاد وانتهت اسس التطور وجنحوا نحو الظلام في زمن تجمع الغرب في اتحادات اقتصادية وتكامل اجتماعي واصبحت فكرت الحروب تصدر خارج بلادهم بل اصبحت الحروب تعد لها من اراضيهم لنستوردها نحن بأموالنا ونجلبها بثرواتنا ونحتفي بها ونمجدها ونتسابق لاغتنائها.
ملئت ترسانات العرب بأحدث الاسلحة عاما بعد عام ومنحت وزارات دفاعها اعلى نسب الميزانية عام تلو عام ، ولكنهم نسوا ان يسعوا لبناء المجتمع وتثقيفه وارساء ركائزه فتفتت المجتمع العربي ولم يحصل لأعلى قومية عربية ولا انتماء وطني ، فأصبحت كل الشعارات عارية امام حقيقة تفتيت المجتمعات العربية بالهتافات والشعارات والحروب التي لا مبرر لها الا لقتل الانسان لعربي ووضعه في نفق مظلم يملئه التخلف والجهل والقبلية.
نحن شجعان حاربنا من اجل رفاهية الغرب ، نحن أبطال لأننا وهبنا ثرواتنا هبة لخزينة الغرب ، نحن صناديد لأننا جربنا احدث الاسلحة على بعضنا البعض ونحن افذاذ لأننا شردنا شعوبنا وجعلناهم قبائل متذبذبين بين حق وباطل.











صدقت والله يادكتور
وافضل مثال ماجرى عام ١٩٩٠ بغزو الكويت والحرب في سوريا والقائمه تطول نسأل الله ان يعم الامن والامان على بلاد الاسلام
نسأل الله ان يحفظكم دكتورنا الغالي
الله عليك ياباشا…
الله عليك ياباشا…