بأقلام الكُتّابمقالات وآراء

حين يغدو السلوك “نصاً أدبياً” بليغاً في محراب السمت العُماني

د. محمد السيد يوسف لاشين

 

 

حين تطأ قدماك أرض “عُمان”، لا تجد نفسك أمام حدود جغرافية أو تضاريس صخرية فحسب، بل تجد نفسك في مواجهة “ظاهرة إنسانية” تستوقف الأديب قبل السائح، وتستنطق اللغوي قبل المؤرخ. إنها ظاهرة “السمت العُماني”؛ ذلك المزيج الساحر الذي صاغته القرون، وصقلته البيئة، وباركته الفطرة السوية.

أول ما يصافحك في وجوه العُمانيين ليس مجرد “بشرة” لفحتها شمس الخليج بوقار، بل “ابتسامة” هي في حقيقتها “جملة اسمية” دالة على الثبات والترحيب فالابتسامةعندهم فيها فصاحة الملامح ونبل المبتدأ. هي ابتسامة لا تُباع في قواميس المجاملات الصفراء، بل هي “نبع لغوي” يتدفق عفويةً ونقاءً. إنها الابتسامة التي تكسر حواجز “الغربة” لدى الزائر، لتشعره أنه لم يغادر وطنه، بل انتقل من غُرفة في بيت العروبة إلى ردهة أكثر اتساعاً وحميمية. في عُمان، الابتسامة ليست “فعل أمر” بل هي “صفة مشبهة” ملازمة لصاحبها، تعكس رزانة النفس وعمق التصالح مع الذات.

إذا ما انتقلت من جمال الملامح إلى جوهر النفوس، واجهت “جبل الرضا” الأشم فالرضافيهم هو فلسفة “القناعة” في زمن الضجيج ، يعيش العُماني حالة من “السلام الداخلي” قلّما تجد لها نظيراً في عصر الماديات اللاهثة. هو رضا ليس بالهوان، بل هو رضا “العارف” بموازين الحياة. تلمس في حديثهم “الحمد” كإيقاع موسيقي رتيب لا ينقطع، وفي تعاملاتهم “القناعة” كمنهج حياة. إن هذا الرضا هو الذي جعل من الشخصية العُمانية سداً منيعاً أمام “فوضى الميديا” وصراعات التباهي الزائف. إنه “الرضا الواعي” الذي يدرك أن قيمة الإنسان في “أثره” لا في “مظهره”، وفي “عطائه” لا في “اقتنائه”.

أما عن “القلب الصافي”، فهو المعجم الحقيقي الذي تُشتق منه كل مكارم الأخلاق هنا. تعاملتُ مع الصغير والكبير، فوجدتُ نفوساً “مرفوعة” عن الصغائر، “مبنية” على الود، “منصوبة” لخدمة الضيف. إن العُماني يمتلك قدرة مذهلة على “تنقية” قلبه من شوائب الضغينة؛ فالمجلس العُماني ليس مكاناً لتناول القهوة والتمور فحسب، بل هو “مدرسة نقدية” تُهذب فيها الأخلاق، ويُحتفى فيها بالوقار. إن “السمت العام” هنا يفرض عليك هيبة أدبية؛ فترى التواضع يمشي على قدمين، وترى الكرم “فعلاً مضارعاً” مستمراً لا ينقطع بانتهاء الوجبة، بل يمتد أثراً وطيباً في الذاكرة.

إن الزائر لُعمان، إن كان ذا عينٍ أدبية، سيدرك أن هذا الشعب لا يتكلم اللغة العربية فحسب، بل “يعيشها” سلوكاً. فالأصالة عندهم “مبتدأ”، والشهامة “خبر”، والوفاء “مضاف إليه” لا ينفك عن هويتهم. إن السمت العُماني هو “السهل الممتنع” في عالم الأخلاق؛ بسيط في ظاهره، عميق في جذوره، نقي في سريرته وحقا عُمان قصيدة لم تُكتمل بعد ،فطوبى لأرضٍ أنبتت هذا الصفاء، وهنيئاً لأمةٍ ما زال “الإنسان” فيها هو الثروة الحقيقية، والابتسامة هي العملة الأكثر رواجاً. إن عُمان لا تُزار بالعين، بل تُقرأ بالقلب، وتُكتب بمداد من الإعجاب والمحبة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى