بأقلام الكُتّابمقالات وآراء

الفظاظة في المعاملة والوقاحة في الألفاظ

ماجد بن محمد الوهيبي

 

الكل منا يتعرض لمواقف يومية في حياتنا المعاصرة، والعاقل هو من يترفع عنها ويتناساها لكي لا تعكر صفوه اليومي، ولو أنه دوّن كل ما يحدث له ويسمعه ويراه واكترث لهذه الأحداث؛ لجن جنونه وفقد عقله؛

لذلك يسوق الواحد منا الأعذار للآخرين: لعله مريض، لعله مستعجل، لعله تلقى خبرًا مؤسفًا،
وهذه الأعذار كثيرًا ما نسوقها لكل من يستخدم الطريق فارًا بمركبته وكأنه يقود طائرة نفاثة لا مركبة تسير على الأرض.

فحينما يسوق المرء هذه الأعذار لغيره تهدأ النفس لِيُركّز هو في طريق سيره، وكثيرًا ما كنت أقول لأبنائي انتبهوا أنتم للناس في الطريق قبل أن ينتبهوا هم لكم؛ لا تقولوا هذا طريقي والأولى هم من ينتبهوا، بل انتبهوا أنتم لهم؛ فهناك المريض، وضعيف النظر، والكبير في السن؛
سواءً المارة منهم أو ممن يقودون المركبات، ولكن الذي يؤثّر في نفسي من يقعد على كرسي الخدمة، وعبرت عنه بهذا التعبير لأنه أقرب عندي من الموظف، ومعنى كرسي الخدمة؛ أنه أُجلس على هذا الكرسي ليخدم الناس فإذا به يتسلط عليهم ويسلقهم بلسانه الحاد، وهذا لعمري من الفظاظة بمكان ومن الوقاحة في المعاملة.

وقد سبق أن كتبت مقالًا من قبل أسميته (من أين تعلمت هذه الأخلاق) وقد نشر في إحدى الصحف الإلكترونية المحلية؛
أذكر فيه حلم وصبر الموظف على المراجع في تخليص معاملته، وإذا بي اليوم أتفاجأ بفظاظة موظف وصراخه على المراجع بعد أن قرع عليه الباب فقط ليناوله ورقة وقد ازدحم أمامه طابورٌ من النساء،
وكان هذا المراجع يكبر الموظف في السن، وقد استحى أن يقف خلف طابور النساء، ربما يقول قائل : كان على هذا المراجع أن ينتظر؛ أقول : أو من أجل ورقة يقوم بتسليمها له لا تستغرق ثوانٍ معدودة ؟ وقد طبعت وقيل له اذهب وخذها من المكان الفلاني، لماذا لا تترك الطابعة في مكان مختلف عن هذا المكان المزدحم لتجنب هذه المواقف ؟

أهو ذنب المراجع ؟
أم من قال له اذهب وخذها من هناك ؟ فما كان من هذا المستخدم إلا أن صرخ بوجه المراجع وقرعه وقال : له اُخرج؛ فرد المراجع من الخارج قائلاً له : أأقف خلف النساء وأنا ضعيف النظر كما ترى ؟ قال له أُخرج؛ هذا الذي ينقصنا أن تدخل علينا هنا، بأسلوب وقح وأمام كل المراجعات اللواتي تجمهرن عليه من النساء!!.

والدين المعاملة كما أخبرنا الرسول صلى الله عليه وسلم، وكما أخبرنا عن الرفق أيضًا؛ فما كان من هذا المراجع إلا أن ترك المكان وترك تلك الورقة بالرغم من حاجته الماسة لها، وقد قال له موظف آخر غير الأول : يا عمي أنا آتيك بالورقة؛ فأجابه المراجع يا ولدي لا أريدها وقد أهينت كرامتي أمام الناس؛ فكرامة المرء أغلى ما عنده
جزاك الله خيرًا.

ردة فعل من المراجع لا يلام عليها؛ ماذا على الموظف الأول المستخدم الذي يجلس على كرسي الخدمة لو قال لهذا المراجع حُسنًا بوجه طلق مبتسم مثلًا : أمهلني يا عمي بضع دقائق وسأسلمك إياها؛ متلطفًا له في الحديث لا عليك أنا مضغوط الآن، وعندي زحمة؛ كلمات يسيرة لكنها عظيمة الأثر في نفس ذلك المراجع.

ولعمري ما هو الوقت الذي تضيعه في تسليم ورقة لمراجع قرع عليك الباب لتسلمه إياها، ولم يقرع عليك الباب إلا لحاجته؛ من أنت أيها المستخدم لتطرد مراجعًا أو ترده لتجبره ليقف خلف طابور النساء؟!.

لابد من تصحيح المسار ونحن هنا نقف مع الحق ولا نريد الضرر لأحد، ولكن على المرء أن يرقى بأخلاقه وأسلوب معاملته مع الناس ليجني ثمرة صبره وهو يحصل على أجرة لقاء عمله هذا بمعاشٍ شهري؛ فليحمدِ الله على هذا العمل الذي رزق إياه؛ فلا يتنطعن على الناس، ولا يحتقرهم، ولا يهين كرامتهم فهم ليسوا خدمًا عنده.

وليترك عصبيته في بيته، وليخدم الناس؛ فسبحان من تقرع له الأبواب في كل وقت وحين فلا يرد أحدًا وهو السميع العليم؛ إن كان هذا المستخدم فظًا هكذا مع البشر فهو لا يصلح لهذا المكان الذي أؤتمن عليه، وهنا أنا لا أسمي هذه المؤسسة (أصحيةٍ كانت أم خدمية، ولتكثف الجهود وتتظافر التعليمات من قبل المسؤولين لتلقي الدروس التي أمرنا بها الله في القرآن، والوصايا التي تركها لنا نبينا العظيم محمدﷺ للحد من هذه السلبيات، ومن عرف عنه انفلات أعصابه، وعدم تحكمه في تصرفاته وكلامه، فَلْيُبْعَد عن مكان مواجهة الناس؛
فهناك من هو أسمح وأجدر منه ولينقل لمكانٍ
يفرغ فيه كل طاقاته السلبية حتى يستبدلها بطاقاتٍ إيجابية، أو يتلقى التدريب المكثف في فنون الحديث الحسن، والرد اللبق والصبر على البشر .. والله الموفق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى