بأقلام الكُتّابمقالات وآراء

فنجان من الوقار: القهوة العُمانية حين تتحدث قبل الدبلوماسية

الكاتب أ. عصام بن محمود الرئيسي
مدرب بروتوكول ومراسم – مؤلف أعمال متخصصة في المراسم والتشريفات

 

 

في زمنٍ مضى، وخلال إحدى الاستقبالات الرسمية، وما إن جلس وفدٌ دبلوماسي رفيع في قاعة الاستقبال، حتى قُدّم لهم فنجان القهوة وهذا ركن من اركان الضيافة العُمانية المعتادة. لم يكن المشهد مجرد إجراء بروتوكولي عماني، بل لحظة إنسانية دافئة خفّفت من رسمية اللقاء.

ابتسم أحد الضيوف وقال: “أعتقد أن هذا الفنجان نجح في كسر الجليد أفضل من أي كلمات دبلوماسية.” لم يكن ذلك مجاملة عابرة، بل وصفًا دقيقًا لما تمثله القهوة العُمانية في ثقافة الاستقبال،  ففي عُمان، قد يسبق فنجان من القهوة كلّ الكلمات.

في سياق العلاقات الدولية عزيزي القارئ، تُعد التفاصيل الصغيرة أحيانًا الأكثر تأثيرًا. وعُمان تقدّم نموذجًا فريدًا في هذا الجانب؛ إذ جعلت من القهوة لغةً غير منطوقة، تُعبّر عن الترحيب والاحترام، وتؤسس لبداية مريحة لأي لقاء، مهما كانت طبيعته رسمية أو حساسة.

القهوة العُمانية ليست مجرد مشروب، بل تقليد متجذر يحمل رمزية عميقة في الوجدان الوطني. وعندما انتقلت هذه العادة إلى فضاء البروتوكول الرسمي، لم تفقد معناها، بل ازدادت حضورًا وتأثيرًا. فهي تمثل أول رسالة يتلقاها الضيف: “أنت مرحب بك، ونحن نُقدّرك.”

تقديم القهوة في المجالس الرسمية ليس خيارًا عابرًا، بل قاعدة راسخة. تبدأ بها اللقاءات قبل أي نقاش، وكأنها تمهيد غير معلن للحوار. فهي تُسهم في كسر الحواجز النفسية، وتخلق أجواءً من الألفة والارتياح، دون أن تُخلّ بهيبة الموقف أو رسميته. ولهذا، تحرص الجهات الحكومية والدبلوماسية في السلطنة على أن تكون القهوة حاضرة في مقدمة كل استقبال.

وللقهوة العُمانية طقوس دقيقة تجعلها جزءًا من لغة البروتوكول. تبدأ بالدلة، رمز الكرم، وتمتد إلى طريقة تقديم الفنجان بيد ثابتة ووقفة وقورة. لا يُملأ الفنجان بالكامل، بل يُقدَّم بقدرٍ يعكس الذوق والاعتدال. وإذا اكتفى الضيف، يكتفي بإشارة خفيفة بهز الفنجان، وهي لغة صامتة تُفهم فورًا وتُحترم دون سؤال.

هذه التفاصيل، رغم بساطتها، تعكس منظومة قيم متكاملة: الاحترام، التقدير، والاهتمام بالآخر. وهي ذاتها القيم التي يقوم عليها العمل البروتوكولي في أرقى صوره. وهنا تتجلى خصوصية التجربة العُمانية، حيث يلتقي الموروث الثقافي مع الانضباط الرسمي في مشهد واحد متوازن.

وفي اللقاءات الرسمية رفيعة المستوى، غالبًا ما تُقدّم القهوة في بداية الجلسة، وقد تُعاد في ختامها، وكأنها تؤطر اللقاء ببداية ودّية ونهاية لطيفة. أما في استقبال كبار الضيوف، فتكون القهوة أول محطة قبل الدخول في جدول الأعمال، لتؤدي دورًا يتجاوز الضيافة إلى التهيئة النفسية للحوار.

وعلى مستوى أوسع، تمثل القهوة العُمانية أحد أدوات “القوة الناعمة”. فعندما يتذوق الضيف نكهتها الممزوجة بالهيل والزعفران، وماء الورد القادم من مدرجات الجبل الأخضر، ويستمع إلى شرح موجز عن مكانتها في الثقافة العُمانية، فإنه لا يعيش تجربة حسية فحسب، بل يلامس هوية مجتمع بأكمله. وهنا تتحول القهوة إلى جسر ثقافي أنيق يعزز حضور عُمان في ذاكرة زوارها.

كما تحضر القهوة في مختلف الفعاليات الوطنية والدولية التي تستضيفها السلطنة، من مؤتمرات ومعارض ولقاءات رسمية، حيث تُقدَّم في أركان مخصصة تعكس الطابع العُماني الأصيل. هذا الحضور لا يضيف بعدًا جماليًا فقط، بل يمنح الحدث هوية واضحة، ويؤكد اعتزاز عُمان بثقافتها.

في المحصلة، تُثبت القهوة العُمانية أن الدبلوماسية لا تُبنى بالكلمات وحدها، بل بالتفاصيل الصادقة التي تسبقها. ففنجان قهوة واحد قد يختصر مسافات، ويخفف توترًا، ويفتح بابًا لحوار أكثر سلاسة.

هكذا تستقبل عُمان ضيوفها: ببساطة راقية، ووقار هادئ، ورسالة واضحة مفادها أن الاحترام يبدأ قبل الحديث.

إنه السمت العُماني… حيث يكون فنجان القهوة أبلغ من أي خطاب، وأصدق من كثير من العبارات.
                       وعلى الخير نلتقي وبالوفاء نرتقي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى