إدارة الأزمات لا بتر العلاقات..
الدكتور عدنان بن أحمد الأنصاري
محلّل سياسي ، ودبلوماسي ، وسفير سابق
إن التاريخ يعلمنا أن الحروب لا تنتهي حين ينتصر طرف بل حين يدرك الجميع أن الاستمرار فيها أكثر كلفة من التفاهم.
والمنطقة اليوم تقف عند مفترق طرق حاسم:
إما أن تستمر في بتر الأصابع عبر الصراعات المفتوحة
أو أن تتجه نحو تقليم الأظافر عبر إدارة ذكية للأزمات.
المستقبل لن يكون للأقوى عسكرياً فقط بل للأقدر على تحويل الصراع إلى توازن والتوتر إلى تفاهم والفوضى إلى نظام.
وفي هذا السياق فإن التحدي الحقيقي ليس في إيقاف الحرب فحسب بل في بناء عقل استراتيجي إقليمي جديد يدرك أن العلاقات الدولية ليست ساحة لتصفية الحسابات بل فنٌّ دقيق لإدارة المصالح دون تدمير الجسور.
النظام العالمي لا يُبنى بالقوة وحدها بل بفهم حدود استخدامها.
في عالمٍ تتسارع فيه التحولات وتتشابك فيه المصالح لم يعد الصراع مجرد مواجهة عسكرية بل اختبارٌ عميق لقدرة الدول على إدارة الأزمات دون الانزلاق إلى كسرٍ دائم في بنية العلاقات.
وكما أن الحكمة البسيطة تقول: نقطع أظافرنا لا أصابعنا فإن الدول الرشيدة لا تقطع علاقاتها عند أول أزمة بل تعالج جذور الخلل دون الإضرار بالبنية الكلية للنظام الدولي أو الإقليمي.
إن ما تشهده المنطقة من تصعيد بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى ليس مجرد حرب تقليدية بل هو تعبير مكثف عن صراع إرادات واختلال توازنات وإعادة تشكيل لنظام إقليمي يتأرجح بين الردع والانفجار.
أولاً: منطق الصراع في العلاقات الدولية – بين الواقعية وضبط النفس
يؤكد رواد المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية أن السياسة الدولية محكومة بمفهوم
المصلحة القومية المرتبطة بالقوة. لكن هذه القوة ليست دائماً في استخدامها بل في القدرة على التحكم بها.
الاختبار الحقيقي للقيادة ليس في خوض الحروب بل في معرفة متى يجب إنهاؤها دون خسارة التوازن.
في هذا السياق فإن التصعيد العسكري في المنطقة يعكس فشلاً نسبياً في إدارة الأزمات حيث تحولت الخلافات الاستراتيجية إلى مواجهات مباشرة أو غير مباشرة متجاوزة أدوات الاحتواء الدبلوماسي.
ثانياً: الحرب كأداة… أم كفشل سياسي؟
الحرب هي استمرار للسياسة بوسائل أخرى.
لكن القراءة المعاصرة لهذا المفهوم تكشف أن الحرب حين تتكرر دون حسم تصبح دليلاً على تعثر السياسة لا استمرارها.
فالتصعيد بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل لم يحقق نصراً حاسماً لأي طرف بل أنتج حالة اللا حرب واللا سلم وهي أخطر مراحل الصراع.
إيران تسعى إلى توسيع نطاق نفوذها الاستراتيجي عبر أدوات غير تقليدية (وكلاء نفوذ إقليمي) بينما تعمل الولايات المتحدة وإسرائيل على تقويض هذا الامتداد دون الانجرار إلى حرب شاملة والنتيجة:
منطقة تعيش على حافة الاشتعال الدائم.
ثالثاً: خطأ بتر العلاقات – الدرس الغائب في الإقليم
هنا تتجلى حكمة العبارة الأساسية:
الدول في المنطقة بدلاً من تقليم الأظافر عبر إدارة الخلافات تميل أحياناً إلى بتر الأصابع عبر القطيعة التصعيد، أو الحروب بالوكالة.
الفوضى في المناطق الحيوية لا تظل محلية بل تتحول إلى تهديد للنظام الدولي بأسره.
إن قطع العلاقات أو تحويل الصراعات إلى صدامات صفرية يؤدي إلى:
تعميق انعدام الثقة
توسيع دائرة النزاع
إدخال أطراف دولية إضافية
تهديد الممرات الاستراتيجية (مثل مضيق هرمز)
رابعاً: الخليج بين مطرقة الصراع وسندان التوازن
دول الخليج تقف في قلب هذا الإعصار الجيوسياسي فهي:
شريك استراتيجي للولايات المتحدة
وجار جغرافي لإيران
وممر حيوي للطاقة العالمية
وهنا تظهر معادلة معقدة:
كيف تحافظ على التحالف دون أن تصبح ساحة صراع؟
الحكمة الاستراتيجية تقتضي:
عدم الانجرار إلى استقطاب حاد
الحفاظ على قنوات التواصل مع جميع الأطراف
تبني سياسة التوازن الذكي بدل الاصطفاف الأعمى
الاستقرار لا يتحقق بإلغاء الخصوم بل بإدارة توازن القوى بينهم.
خامساً: نحو نموذج إقليمي جديد – إدارة المشاكل لا تفجيرها
إن المنطقة بحاجة إلى انتقال نوعي من:
عقلية الصراع الصفري → إلى عقلية إدارة التنافس
سياسة الردع العسكري فقط → إلى ردع متعدد الأبعاد (اقتصادي تقني دبلوماسي)
ردود الفعل → إلى استباق الأزمات
وهذا يتطلب:
بناء منظومات أمن إقليمي تشاركية
تفعيل القنوات الخلفية للحوار
تحييد الملفات الاقتصادية عن الصراعات السياسية
الاستثمار في أدوات القوة الناعمة والذكاء الاستراتيجي.








