
الدوري العماني بين تغييرات المدربين وغياب الاستقرار الفني
عبدالله الشكيري
غادر 15 مدربًا مناصبهم ما بين إقالة واستقالة خلال موسم 2024/2025، فيما غادر 11 مدربًا مناصبهم خلال موسم 2025/2026 حتى الآن، في مؤشر يثير الكثير من التساؤلات حول واقع العمل الفني والإداري في مسابقاتنا المحلية.
هذه الأرقام قد تبدو لافتة، لكنها لا تعكس بالضرورة حراكًا فنيًا صحيًا أو سعيًا حقيقيًا نحو التطوير، بقدر ما تكشف عن حالة من عدم الاستقرار والتخبط الإداري داخل عدد من الأندية، التي باتت تلجأ إلى تغيير المدرب كحل أول وسريع عند أي تعثر، بدلًا من معالجة جذور المشكلات الفنية والإدارية.
السؤال الأهم: هل الخلل فعلًا في المدرب وحده؟
أم أن المدرب أصبح الحلقة الأضعف والأسهل للتضحية بها كلما تعثرت النتائج؟
واقع الكرة العمانية يفرض قراءة أكثر عمقًا؛ فالأندية تعمل في بيئة تختلف عن كثير من الدوريات المجاورة، إذ لا يزال عدد كبير من اللاعبين مرتبطين بوظائفهم والتزاماتهم الحياتية، ما يؤثر بشكل مباشر على التفرغ والانتظام في الحصص التدريبية وتنفيذ البرامج الفنية بالشكل المطلوب. وفي ظل هذا الواقع، يجد المدرب نفسه أمام تحديات مركبة لا ترتبط فقط بالأداء داخل الملعب، بل بمنظومة كاملة تحتاج إلى إعادة نظر.
كما أن محدودية الخيارات الفنية في بعض الفرق أصبحت أكثر وضوحًا، مع استمرار الاعتماد على لاعبين تجاوز بعضهم الثلاثين عامًا، مقابل غياب واضح للبدائل الشابة الجاهزة، الأمر الذي يفتح باب التساؤل حول مخرجات المراحل السنية ومدى نجاح الأندية في الاستثمار الحقيقي فيها.
وللأسف، تراجعت لدى بعض الأندية ثقافة البناء طويل المدى، وأصبحت الفئات العمرية تُعامل أحيانًا باعتبارها عبئًا ماليًا بدلًا من كونها مشروعًا استثماريًا يضمن الاستدامة الفنية. وفي المقابل، ارتفعت وتيرة التعاقدات الموسمية وشراء اللاعبين بصورة تستنزف ميزانيات الأندية وتضاعف التزاماتها المالية، حتى باتت بعض الأندية العريقة تعاني من تراكم الديون والتراجع الفني، بعد أن كانت يومًا عنوانًا ثابتًا للبطولات ومصدر فخر لجماهيرها.
ومن أبرز أوجه الخلل كذلك غياب الأنظمة المنظمة لعمل المدربين؛ إذ أصبحت حركة التنقلات المتكررة خلال الموسم الواحد مشهدًا معتادًا، ما أفقد المسابقات جزءًا كبيرًا من استقرارها الفني، وفتح الباب أمام بعض الوسطاء والسماسرة للاستفادة من هذا الواقع وتحويله إلى دائرة مصالح مستمرة.
لكن الإشكالية لا تقف عند حدود الجانب الفني فحسب، بل تمتد إلى داخل المؤسسات الإدارية نفسها. فكثير من الإدارات تلقي بإخفاقاتها على المدرب لتخفيف الضغط الجماهيري والإعلامي عنها، مستفيدة من كون كرة القدم اللعبة الأكثر ظهورًا للجمهور، حيث تبدو النتائج على أرض الملعب المعيار الأسهل للحكم.
وفي المقابل، لا يرى الشارع الرياضي ما يدور خلف الكواليس من خلافات إدارية، واستفراد بالرأي، وتداخل في الصلاحيات والقرارات، ومحاولات إفشال متبادلة بين بعض الإداريين، وكأن المسألة تحولت لدى البعض إلى صراع شخصي، يكون ضحيته المباشرة المدرب واللاعب، بينما الضحية الحقيقية في نهاية المطاف هو النادي ذاته؛ ذلك الكيان الذي وُجد لخدمة المجتمع واحتضان الشباب والارتقاء بالأنشطة الرياضية، لا ليكون ساحة للصراعات والخلافات الشخصية.
ومن هنا، فإن الإصلاح الحقيقي يجب أن يبدأ من الحوكمة والمحاسبة قبل أي شيء آخر. فلا بد من تفعيل دور الجمعيات العمومية بصورة أكبر، ومنحها صلاحيات رقابية أكثر فاعلية، مع إلزام كل قائمة انتخابية أو مجلس إدارة مترشح بتقديم رؤية واضحة وخطة عمل قابلة للقياس قبل الانتخابات، تُعرض على لجنة استشارية مختصة لدراستها واعتمادها، ثم تصبح لاحقًا مرجعًا ملزمًا لمجلس الإدارة المنتخب، بما يعزز المساءلة ويحد من العمل العشوائي وردود الأفعال.
كما أن الأندية مطالبة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بإنشاء لجان فنية متخصصة تتمتع بصلاحيات واضحة ومكانة اعتبارية داخل الهيكل الإداري، تتولى دراسة الاحتياجات الفنية، وتحديد الأهداف المرحلية والاستراتيجية، واختيار الأجهزة الفنية والإدارية وفق معايير واضحة تتناسب مع إمكانات النادي وطموحاته.
وفي جانب لا يقل أهمية، يبقى المدرب الوطني أحد أبرز الملفات التي تحتاج إلى مراجعة جادة. فمن غير المنطقي أن يستمر تهميش المدرب الوطني رغم ما يمتلكه كثير منهم من خبرات تراكمية، وشهادات علمية، وفهم أعمق لطبيعة اللاعب المحلي وبيئة المسابقة، في مقابل اندفاع بعض الأندية نحو استقطاب مدربين وافدين بتكاليف مرتفعة، رغم تقارب المؤهلات والخبرات في أحيان كثيرة.
ودعم المدرب الوطني لا ينبغي أن يتوقف عند منحه الفرصة فقط، بل يجب أن يمتد إلى تطويره المستمر. وهنا يبرز دور الاتحاد العماني لكرة القدم في حمل مسؤولية أكبر تجاه تأهيل المدرب الوطني، ليس فقط عبر برامج الشهادات الأساسية، بل من خلال منظومة تطوير مستدامة تشمل الورش التدريبية المتخصصة، والدورات المتقدمة، والمعايشات الميدانية مع أندية ومنتخبات خارجية، بما يسهم في نقل الخبرات والاطلاع على أحدث المدارس والأساليب التدريبية.
ومن المبادرات العملية التي قد تسهم في بناء كوادر وطنية أكثر جاهزية، إلزام الأندية الراغبة في التعاقد مع مدربين وافدين بالتعاقد مع مدرب وطني مساعد ضمن الجهاز الفني، على غرار ما هو معمول به في بعض المنتخبات الوطنية، شريطة أن يُمنح المدرب الوطني دورًا فنيًا حقيقيًا لا شكليًا، يتيح له المشاركة في التخطيط والتحليل والإعداد وإدارة المباريات.
إن تطوير المسابقات المحلية لا يبدأ من تغيير المدربين بصورة متكررة، بل من بناء مشروع متكامل قائم على الاستقرار الإداري، والتخطيط بعيد المدى، والاستثمار الحقيقي في المراحل السنية، والثقة بالكفاءات الوطنية، وتفعيل أدوات الرقابة والمحاسبة داخل الأندية.
وإلى أن يحدث ذلك، ستظل بعض الأندية تدور في الحلقة ذاتها: تغييرات مستمرة، والتزامات مالية متزايدة، ونتائج متذبذبة، وجماهير تنتظر عودة أمجادٍ كانت يومًا جزءًا أصيلًا من ذاكرة الكرة العمانية.







