
دكانة موت ببراءة صنع الحياة !
د نرجس البزال
مررتُ على الطريق، فإذا بالنهار قد انحنى قليلًا ليترك على حافته مشهدًا صغيرًا يشبه المعجزة: أطفالٌ من أقاربنا نصبوا طاولةً خفيفة، وزرعوا حولها كراسٍ متفرقة، ورتّبوا فوقها أشياءهم القليلة بعناية من يصفّ قلبه على خشب. لم تكن (دكّانةً) .. بالمعنى العابر للكلمة، بل كانت تدريب مبكر على الحياة، كأنهم يجرّبون بأصابعهم الطرية هيئة العالم قبل أن يخذلهم.
نادوني بفرحٍ طالع من قمصانهم الصغيرة كالعصافير: “حولي… اشتري.” ابتسمتُ ومضيت، وفي داخلي وعدٌ دافئ بأن أعود، إجلالًا لذلك الحلم الصغير الذي وقف في وجه القيظ برغم ظلامة قصف الجناة وعصف المجهول … ثم رفع راسه في وجه الفراغ المتدلي بكل مكان ، وقال ببراءة لا تعرف البلاغة: نحن هنا، والحياة يمكن أن تبدأ من هذا القدر القليل.
حين عدتُ، كان المشهد قد انطوى كرسالة ابتلّ طرفها بالمطر. الطاولة غابت، المشتريات رُفعت، وطفلٌ كان يضمّ الكراسي بعجلةٍ لا تليق إلا بمن فاجأه الخوف وهو ما يزال في أول الدرس. بدت الطفولة لحظتها كعصفورٍ طُلِب منه أن يطوي جناحيه لأن السماء لم تعد مأمونة.
قلت له: “ما جينا نشتري.” فأجاب، بتلك البساطة التي لا تقول الجملة بل تغرسها: (مسيّرة بالسما… تعوا العصر بنرجع بنفتح)! ما الذي يبقى من اللغة أمام طفلٍ يؤجّل لعبته لأن الموت يمرق كل حين فوق رأسه ؟ أيُّ شرحٍ يليق ببلادٍ يتعلّم فيها الصغار، قبل الحساب والقراءة، أن للآخرين مزاجًا، وأن الفرح يجب أن ينتظر حتى يفرغ الخوف من دوريته؟
حين كنّا في أعمارهم، نركض وراء الوقت كما تركض الفراشات وراء الضوء. كان الطريق ملعبًا لا سؤالا فيه إلا من يربح ومن يسبق، فيمكا السماء كانت تبدو سقفًا أزرق لا يعني لنا الكثير في إيحاءاته التي نشعر بطمانينة داخليه ازائها ، لا عينًا تتدلّى منها الرهبة. أما هم، فيقفون على عتبة الحياة كمن يقف على شرفةٍ مهددة، يبتسمون، ويرتبون أشياءهم، لكنهم يصغون في مكانٍ خفي من أرواحهم إلى احتمال الانقطاع.
عدتُ عند العصر، اصطحبتُ ابنتي، وتركتُ لها أن تختار وأن تسأل وأن تدخل هي أيضًا في هذا الطقس الصغير الذي بدا أكبر من البيع والشراء ولم اتعاط معه بهذا المعنى وان وثقوه هكذا .
كانت الدكّانة قد فُتحت من جديد، كأن السماء بعد أن لوّحت وقررت أن تمنحهم فرصة اقصر من احلامهم الطفولية ليواصلوا تدريبهم السري على الأمل.
بقيتُ في السيارة أراقب الطريق، لا الأطفال وحدهم. ذلك الطريق الذي كان لنا يومًا، حين كنّا نملؤه ضحكًا خامًا ونترك على ترابه آثار أقدامٍ لا تعرف أن العالم قد يضيق إلى هذا الحد. اليوم صار لهم، لكنهم لا يسكنونه بالطريقة نفسها ،نحن ورثناه ملعبًا، أما هم فيرثونه اختبارًا.
كبرنا وتركنا لهم الطريق، لكننا لم نترك لهم الطفولة التي عرفناها. تركنا لهم نهارًا أكثر يقظة، وسماءً لا تمرّ فوقهم كأمّ، بل كقدرٍ متحفّز.
مع ذلك، في تلك الدكّانة الصغيرة، كان هناك ما يشبه التحدي الصامت. كأن الأطفال يرفعون على طاولتهم المتواضعة بيانًا ضد الخراب ضد الحرب ضد المجهول : أن الحياة، مهما ضاقت علينا بإجراءات المخربين تعرف كيف تتسرّب من بين أصابع الخوف، وكيف تنصب لنفسها طاولةً صغيرة على كتف الطريق، وتقول: لن أمرّ من هنا مكسورة.
لم تعد تلك الدكّانة مجرّد لعبة صغار، بل صارت صورةً مكثفة عن بلادٍ كاملة: بلادٍ تطوي أحلامها حين تهبط الرهبة بقرار مسلفن معادي للحياة ، ثم تعود كلما خفّ وقع التهديد، فتفتح قلبها من جديد، كما تُفتح نافذة نجت لتوّها من الريح. وعلى هذا المنوال ما زال اطفالنا يتتبعون خارطة لم ترسم ولم تدرس في المدارس لكنها استلهمت كعبر وتجارب براس واعية وان لم يدرك كنهها الاطفال بعد !.









