بأقلام الكُتّابمقالات وآراء

الأنموذجية الألمانية اليابانية.. قنبلة نووية وأمنيات قبلة جامعية !

الكاتب العراقي حسين الذكر

 

 

تعد ( ألمانيا واليابان ) من أكثر الدول تضررا في الحرب العالمية الثانية 1939-45 ، فألمانيا قائدة المحور لم تستسلم حتى دخلت جميع الجيوش أراضيها لتكتم انفاس التفوق والعبقرية المتجسدة بهيئة الأركان الألمانية كأحد أهم نتاج العقل والانضباط المؤسسي الصارم .. وقد اذهلت المانيا العالم بقدرتها على استيعاب الضربة والنهوض والتخلص باكرا من ربقة الاستعمار إذ لم تمر إلا سنوات معدودة حتى تمكنت من الفوز بكأس العالم 1954 كمؤشر على استرداد العافية المعنوية وانبعاث التفوق الثقافي بأوصال الأمة برغم ما حل فيها من دمار وخراب وانتهاكات ..

اليابان التي بكتها شعوب العالم إثر تلقيها أبشع ضربة على مر العصور المتمثلة بالقنابل الذرية الامريكية على مدينتي ( هوروشيما ونكازاكي ) إذ فتت الجسد الياباني دون روحه التي بقت حرة منبعثة متقدة لتعود اليابان متفوقة بفكر الكومبيوتر الذي غزى العالم المعرفي والبس الثقافة والصناعة بل الحضارة ثوباً جديداً ما زال يسمى بالعهد الالكتروني ..

قطعا ان ذلك التفوق لم يكن وليد المصادفة فهناك قيم أخلاقية راسخة صارمة عززت بملف تعليم عالي لا يقبل الشك .. فلا مجال للترقي في المانيا واليابان بأي من مؤسسات الدولة وتحت أي عنوان الا عبر التفوق في (البحث العلمي) .. الذي من خلاله فقط يثبت الطالب استحقاقه وجدارته .. فلا مجال لاي من أوجه الحزبية والعشائرية والقومية والدينية والعلاقاتية فيه … ولا يسمح ان تكون سببا للترقي واستلام المسؤولية الا عبر الكفاءة والمعرفة .

في المنظومة العربية بعد ولادة الشرق الاوسطي الجديد الذي بشر فيه منذ نيسان 2003 .. شهد انحدارا قيميا خطيرا يمكن تلمسه في أساليب الحصول على الشهادة العلمية باعلى درجاتها ( رسالة او اطروحة او دبلوم عالي ) ، اذ لم يعد ينظر الطالب فيه – الا ما رحم ربي – للتفوق العلمي والتزود المعرفي .. فالوظيفة والعنوان والجاه المجتمعي هو الأساس لتحصل الشهادة باي وسيلة ما دامها تحقق الغرض المطلوب مجتمعيا .

يقال ان المنتصرون في الحرب العالمية كانوا يدخلون دول اعدائهم فاتحين .. فيلجؤوا الى حماية علماء اعدائهم في المؤسسات وترحيلهم للإفادة من خبراتهم وقدراتهم في تطوير واقعهم الجديد .. وهذا عين ما حدث مع بعض الجيوش التي دخلت المانيا ولديها قائمة بالنخب والعلماء والعباقرة الذين تم تسفيرهم وتهيئة افضل سبل العيش لهم ليبدعوا في عالمهم الجديد .. على العكس تماما ما يحدث في ثوراتنا او تغيراتنا السياسية العربية التي تنطلق القوائم من جحورها السوداء لتغتال وتختطف وتقتل وتهجر العقول الوطنية التي يمكن الإفادة منها لاعادة بناء البلد واحياء مؤسساته .

من المفارقات ان الطلبة العرب منذ بواكير التعليم يتمنون تحقيق حلم الدراسة الجامعية التي تظهر لهم من خلال وسائل الاعلام كانها جنة حرية وعلاقات غير معهودة في المدارس حتى يتبدد الحلم بعيش واقع حال جامعي في الشرق المزعوم بالحداثة والتفوق اذ اكثر ما يشد ويشذ فيه هي الحرية الموهومة والوعي المزعوم عبر علاقات وكوفيات واكلات ولباس وزي واحتفالات .. ووسائل نقل شخصية يتبجح بها الكثير من الجامعيين اكثر من جميع وسائل المعرفة وتطوير الوعي داخل الجامعة … اما بعد التخرج فان نسب التفوق ومفهوم العبقرية يتلاشى تماما امام وسائل توزيع العقول لقيادة مؤسسات الدولة التي لا تتسق مع درجات البحث والتقييم العلمي التي تتلاشى امام قوة الانتماء الحزبي والولاء السلطوي ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى