
الكلمة.. قد تكون دواءً أو بابًا إلى عالم آخر
الدكتور محمد السيد يوسف لاشين
أستاذ علم النقد الاجتماعي والتفكير الناقد
في حياة الإنسان لحظات لا يغيّرها المال، ولا تبدّلها القوة، ولا يرممها الزمن، ولكن تغيّرها كلمة. كلمة واحدة فقط، قد تُعيد ترتيب الفوضى في داخلك، أو تُشعل نورًا في عتمةٍ كنت تظنها أبدية. فالكلمة ليست حروفًا تتجاور، بل روحٌ تتنفس، وجرعةٌ خفية من المعنى، قد تكون دواءً، وقد تكون سُمًا، وقد تكون بابًا يفتحك على عالمٍ لم تكن تعرف أنك قادر على دخوله.
لقد قال الحكماء قديمًا: “لكل جرحٍ دواء، ودواء الروح كلمة طيبة.” والعجيب أن الكلمة لا تُرى، لكنها تُبصر؛ لا تُمسك، لكنها تُمسك بتلابيب القلب. فكم من إنسانٍ كان على وشك الانطفاء، فأحياه صوتٌ قال له: “أنا معك.” وكم من آخر كان يسير بثبات، فكسرت ظهره كلمةٌ قيلت بلا مبالاة.
إن للكلمة أثرًا يشبه المطر: قد تهطل على أرضٍ عطشى فتُحييها، وقد تهطل على صخرةٍ صمّاء فلا تُنبت فيها شيئًا، لكنها في كل الأحوال تترك أثرًا.
ولعل أعجب ما في الكلمة أنها لا تغيّر السامع وحده، بل تغيّر قائلها أيضًا. فحين تقول خيرًا، يتسع صدرك، وحين تقول شرًا، يضيق عليك صدرك قبل أن يضيق على غيرك. ولهذا قالوا: “من أصلح سريرته أصلح الله علانيته، ومن أصلح لسانه أصلح الله شأنه.”
الكلمة قد تكون جسرًا تعبر به إلى قلوب الآخرين، وقد تكون جدارًا يحول بينك وبينهم. وقد تكون مرآة يرى فيها الإنسان نفسه لأول مرة، أو نافذة يرى منها العالم بشكلٍ مختلف.
إننا لا ندرك أحيانًا أن كلمة واحدة قد تغيّر مصيرًا كاملًا. كلمة تشجيع قد تصنع عالمًا جديدًا في قلب طفل، وكلمة احتقار قد تهدم ما بناه في نفسه خلال سنوات. وكلمة اعتذار قد تُعيد صديقًا، وكلمة قاسية قد تُبعده إلى الأبد.
ولذلك قالوا: “الكلمة الطيبة صدقة.” ولأن الكلمة دواء، فهي تحتاج إلى يدٍ حكيمة تُعطيها، وإلى قلبٍ صادقٍ يسكبها، وإلى عقلٍ يعرف متى يقول، ومتى يصمت. فالصمت في بعض المواقف حكمة، والكلام في بعضها شجاعة، والتمييز بينهما هو فن الحياة.
إن أثر الكلمة لا يقاس بعلو الصوت، بل بعمق الوصول. وقد تصل كلمة هامسة إلى قلبٍ بعيد، وتضيع كلمة صاخبة في أذنٍ قريبة. فالمسافة الحقيقية ليست بين الفم والأذن، بل بين الروح والروح.
ولعل أجمل ما قيل في هذا الباب: “رب كلمةٍ فتحت بابًا من النور، ورب كلمةٍ أغلقت ألف باب.” فاختر كلماتك كما تختار دواءك، وألقها كما يلقي الزارع بذوره: بنية الخير، ورجاء الثمر، فما من كلمة طيبة تُقال إلا وتعود، وما من كلمة جارحة تُقال إلا وتُحاسب.







