بأقلام الكُتّابمقالات وآراء

من هامش الفكرة إلى قلب القرار .. عُمان تعبر نحو اقتصاد المعرفة

خالـصـة الصـلـتـيـة

 

لم تعد قوة الدول اليوم تُقاس فقط بما تختزنه الأرض من موارد، أو بما تشيده المدن من أبراج ومشاريع عملاقة، بل بقدرتها على صناعة المعرفة، وتحويل الأفكار إلى قيمة اقتصادية حقيقية، وبما تمتلكه من عقول قادرة على الابتكار والتجديد وصناعة المستقبل.

العالم يتغير بسرعة غير مسبوقة، والاقتصادات الكبرى لم تصل إلى ما وصلت إليه بسبب وفرة الموارد فقط، بل بسبب قدرتها على استثمار العقل البشري، وتحويل البحث العلمي إلى قوة اقتصادية، والابتكار إلى أسلوب حياة ومنهج دولة.

واليوم يبدو المشهد في عُمان مختلفًا وأكثر عمقًا، خاصة مع ترؤس صاحب السمو السيد ذي يزن بن هيثم آل سعيد، نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، لرئاسة مجلس إدارة هيئة البحث العلمي والابتكار، بحضور هذا التمثيل الوزاري الرفيع الذي يجمع قطاعات الاقتصاد والتقنية والاستثمار والطاقة والتعليم والصحة وريادة الأعمال، في صورة تعكس بوضوح أن ملف الابتكار لم يعد ملفًا هامشيًا، بل أصبح جزءًا من الرؤية الوطنية الكبرى لعُمان القادمة.

هذا المشهد يحمل دلالات أكبر من مجرد تشكيل تنظيمي، فهو إعلان واضح بأن الدولة باتت تدرك أن المستقبل لن يُبنى بالأدوات التقليدية وحدها، وأن الاقتصاد القادم لن يقوده النفط فقط، بل ستقوده المعرفة، والأفكار، والأبحاث، والقدرة على صناعة الحلول.

وحين يترأس صاحب السمو بنفسه مجلس إدارة هيئة البحث العلمي والابتكار، فإن الرسالة تصل بوضوح إلى الجميع بأن الابتكار أصبح جزءًا من صناعة القرار الاقتصادي، ومن رسم مستقبل عُمان التنموي والتنافسي.

ولعل ما يمنح هذا المشهد أهميته الأكبر، أن هذا التشكيل القيادي الرفيع يبعث الأمل من جديد في نفوس الكثير من الباحثين والمبتكرين والشباب الذين ظلوا لسنوات يؤمنون بأن عُمان تمتلك من العقول والكفاءات ما يجعلها قادرة على صناعة نموذج مختلف، إذا وجدت البيئة التي تحتضن الفكرة، وتحولها إلى مشروع وفرصة ومنتج وأثر اقتصادي حقيقي.

فكم من فكرة جميلة ماتت تحت ثقل الإجراءات، وكم من مشروع واعد توقف بسبب غياب التمويل، أو بطء القرارات، أو ضعف التكامل بين الجهات، وكم من مبتكر شعر أن الطريق أطول من الحلم نفسه.

لكن وجود هذا الثقل القيادي اليوم في قيادة ملف البحث العلمي والابتكار يجعلنا أكثر تفاؤلًا بأن المرحلة القادمة قد تكون مختلفة، وأن هناك إدراكًا حقيقيًا بأن الاستثمار في العقول أصبح ضرورة وطنية لبناء اقتصاد مستدام قادر على المنافسة.

فالابتكار الحقيقي يُقاس بقدرته على حل المشكلات، وتحسين الخدمات، وتقليل الهدر، وخلق الوظائف، وتحويل الأفكار إلى شركات وطنية ومشاريع تنعكس على حياة الناس وجودة معيشتهم.

ولذلك، فإن المرحلة القادمة يجب أن تكون مرحلة انتقال حقيقي من ثقافة الاحتفاء بالكلمات، إلى ثقافة صناعة الأثر.

نحتاج اليوم إلى بيئة وطنية تجعل المبتكر يشعر أن فكرته يمكن أن تصل، وأن صوته مسموع، وأن الطريق نحو التنفيذ لم يعد متاهة طويلة تستهلك الحماس قبل الوصول.

نحتاج إلى جامعات تتحول من مؤسسات تمنح الشهادات فقط، إلى مراكز تنتج المعرفة والحلول، وترتبط بشكل مباشر باحتياجات الاقتصاد الوطني والتحديات الواقعية للدولة.

ونحتاج إلى مؤسسات حكومية تجعل الابتكار جزءًا من طريقة العمل اليومية، لا مجرد إدارة أو قسم أو ملف موسمي يظهر في التقارير السنوية.

كما نحتاج إلى قطاع خاص يؤمن بأن الاستثمار في الابتكار ليس عملًا دعائيًا أو مسؤولية اجتماعية مؤقتة، بل شراكة حقيقية في بناء اقتصاد المستقبل.

بل وحتى الإعلام اليوم مطالب بأن يلعب دورًا أكبر في صناعة ثقافة الابتكار، وتسليط الضوء على النماذج الوطنية الملهمة، وتحويل قصص النجاح العُمانية إلى مصدر إلهام للأجيال القادمة.

وربما حان الوقت أيضًا لخطوات أكثر جرأة وطموحًا، مثل تسريع التشريعات المرتبطة بالاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي والملكية الفكرية، وإنشاء صناديق وطنية مرنة لتمويل المشاريع الابتكارية النوعية، وتحويل التحديات الحكومية إلى فرص مفتوحة أمام الباحثين ورواد الأعمال والمبتكرين.

كما أن بناء منظومة حوكمة واضحة للابتكار داخل المؤسسات والمحافظات، سيشكل خطوة مهمة لضمان استدامة هذا التوجه، وتحويله من مبادرات متفرقة إلى مشروع وطني متكامل.

إن عُمان اليوم لا ينقصها الطموح، ولا العقول، ولا القيادة الواعية، بل تحتاج فقط إلى تسريع التحول نحو اقتصاد يجعل المعرفة جزءًا من قوته، والابتكار جزءًا من هويته.

واليوم، ومع هذا الحضور القيادي الرفيع في قيادة ملف البحث العلمي والابتكار، يحق لنا أن نتفاءل، لا تفاؤل الحالمين فقط، بل تفاؤل المؤمنين بأن عُمان تمتلك كل المقومات التي تجعلها تعبر فعلًا نحو اقتصاد المعرفة، وتتحول من دولة تستهلك المعرفة، إلى دولة تشارك في صناعتها وتصديرها.

فالرهان الحقيقي لم يعد على ما نملكه تحت الأرض فقط، بل على ما نملكه داخل العقول.

وحين تنتقل الفكرة من الهامش إلى قلب القرار، فإن الوطن لا يعلن اهتمامه بالمستقبل فحسب بل يبدأ فعليًا في صناعته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى