بأقلام الكُتّابمقالات وآراء

‏الأمم العظيمة لا تموت إنما تنام طويلًا

الدكتور/ عدنان بن أحمد الأنصاري

محلّل سياسي ، ودبلوماسي ، وسفير سابق

 

‏في عالمٍ يتشكل اليوم على وقع التحولات الكبرى من صعود الشرق إلى حروب التكنولوجيا إلى إعادة رسم موازين القوى الدولية فإن العرب يقفون أمام لحظة تاريخية فاصلة :
‏إما أن يتحولوا إلى قوة حضارية تستلهم ماضيها لبناء مستقبلها أو يبقوا مجرد جمهورٍ يصفق فوق أنقاض أمجادٍ لم يعد لها أثر في ميزان القوة العالمي.

‏إن الأمة التي أنجبت المعلقات وفتحت العالم من الصين إلى الأندلس، ليست أمةً عاجزة بطبيعتها بل أمة فقدت ثقتها بمشروعها التاريخي.
‏وحين تستعيد هذه الثقة وتعيد وصل الشعر بالفعل والكرامة بالعلم والإيمان بالقوة فإن التاريخ قد يشهد من جديد عودة العرب لا كذكرى رومانسية بل كقوة تصنع التوازن الحضاري في العالم.

‏حتى يأتي جيلٌ يؤمن أن المجد ليس قصيدة تُروى بل مشروع أمة يُبنى في تاريخ الأمم لا تسقط الحضارات حين تُهزم عسكريًا فقط بل حين تنفصل عن روحها الأولى وتفقد الصلة بين الذاكرة والسيف وبين الكلمة والفعل وبين القصيدة وميدان الحياة.

‏وما مأساة العرب اليوم إلا صورة لهذا الانفصال العميق أمةٌ كانت تُعلّق المعلقات على أستار الكعبة تعظيمًا للفصاحة ثم جعلت من الفصاحة ذاتها زينة لفظية بعدما كانت وقودًا للحياة والعزة والقتال والبناء.

‏لقد كان العربي قبل الإسلام ثم في صدر الإسلام يفهم أن الشعر ليس ترفًا أدبيًا بل عقيدة نفسية تصنع الإنسان. كانت القصيدة عنده مدرسة للشجاعة ومنبرًا للكرامة وميثاقًا للشرف ومخزنًا للهوية الجمعية. ‏لم يكن عنترة بن شداد مجرد شاعر يصف المعارك بل كان نموذجًا لإنسانٍ يرى المجد فعلًا لا ادعاءً حين قال: ‏ولقد ذكرتكِ والرماحُ نواهلٌ ‏مني وبيضُ الهندِ تقطرُ من دمي

‏فهذه ليست أبيات غزل في قلب الحرب فقط بل إعلان فلسفي بأن العربي القديم كان يرى البطولة امتدادًا للحب والكرامة والوجود نفسه. وكان عمرو بن كلثوم حين يهدر في معلقته: ‏إذا بلغ الفطامَ لنا صبيٌّ ‏تخرُّ له الجبابرُ ساجدينا ‏لا يكتب شعرًا للمبالغة بل يصف ثقافة أمة كانت تُربّي أبناءها على الثقة بالنفس وعلى رفض الذل وعلى أن الهيبة تُنتزع ولا تُستجدى.

‏ثم جاء الإسلام فلم يُلغِ هذه الروح بل هذّبها ووجّهها. ‏نقل العرب من عصبية القبيلة إلى رسالة الأمة ومن الفروسية الفردية إلى مشروع حضاري عالمي. فأصبح السيف مرتبطًا بالقيم وأصبح الإقدام مقرونًا بالعدل وأصبحت القوة عبادة حين تُستخدم لحماية الحق.
‏لقد فهم المسلمون الأوائل أن الإيمان وحده لا يكفي بلا إعداد لذلك جاء النص القرآني حاسمًا: ‏وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوة

‏لقد أدرك الغرب والشرق منذ بدايات النهضة الحديثة أن القوة ليست شعارًا أخلاقيًا بل منظومة علم وصناعة واقتصاد وتكنولوجيا. ‏فبنت الأمم الحديثة جيوشها على المختبرات قبل الثكنات وعلى الجامعات قبل الخنادق وعلى التخطيط الاستراتيجي قبل الخطب الحماسية.

‏أما العالم العربي ففي كثير من مراحله فقد وقع في فخ التناقض التاريخي أمة تتحدث بلغة الفاتحين لكنها تستهلك سلاح غيرها وتستورد غذاءها وتنتظر مظلات الحماية من الخارج بينما تاريخها كان قائمًا على الاستقلال والإقدام وروح المبادرة.

‏إن برنارد لويس رغم خصومته الفكرية مع العرب أشار ذات مرة إلى أن أخطر ما أصاب الشرق ليس الهزيمة العسكرية بل توقفه عن طرح السؤال الحضاري الصحيح . ‏بينما كان هنري كيسنجر يرى أن الأمم التي لا تملك مشروعًا استراتيجيًا تتحول إلى ساحات لمشاريع الآخرين.

‏وهذا بالضبط ما حدث إذ تحولت أجزاء واسعة من العالم العربي من صانع للتاريخ إلى ساحة لتصفية التاريخ . ‏صارت الجغرافيا العربية ميدانًا للصراعات الدولية بينما تراجع المشروع العربي القادر على تحويل الثروة إلى قوة والقوة إلى استقلال والاستقلال إلى نهضة حضارية.

‏والمفارقة المؤلمة أن العرب يمتلكون في ذاكرتهم الثقافية كل مقومات النهوض النفسي.
‏ففي أدبياتهم القديمة تتجلى معاني النجدة والنخوة والغيرة والوفاء والإقدام بصورة قلّ نظيرها في تاريخ الأمم.

‏كان العربي يرى الجار عرضًا يُحمى والضيف أمانة تُصان والمرأة كرامة يُقاتل دونها والقبيلة شرفًا جماعيًا لا يُفرّط فيه.

‏لكن هذه القيم حين انفصلت عن مشروع الدولة الحديثة والعلم الحديث تحولت أحيانًا إلى مجرد حنين عاطفي للماضي بدل أن تكون وقودًا لبناء المستقبل.

‏إن الأمم لا تنتصر بتاريخها بل بما تفعله بروح ذلك التاريخ.
‏اليابان لم تنتصر لأنها تتذكر الساموراي فقط بل لأنها حوّلت انضباط الساموراي إلى صناعة وتكنولوجيا.

‏وألمانيا لم تنهض لأنها تتغنى بفرسانها القدامى بل لأنها حوّلت الانضباط القومي إلى هندسة واقتصاد وقوة معرفية.

‏إن الأزمة ليست أزمة عجز بشري بل أزمة انقطاع بين الروح التاريخية و العقل الاستراتيجي فالعرب لا تنقصهم الثروات ولا الموقع الجغرافي ولا الإرث الحضاري بل ينقصهم تحويل هذه العناصر إلى مشروع نهضوي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى