
رؤية شخصية في ذاكرة المكان حارة الرمل (12) لم تكن تربية الأبناء مسؤولية الأسرة وحدها!!
الكاتب أ. عصام بن محمود الرئيسي
مؤلف أعمال متخصصة في المراسم والسلوك الراقي
التربية في الماضي كانت مختلفة بشكل كبير عمَّا هي عليه اليوم. كانت تعتمد على القيم التقليدية التي تركز على الطاعة، والاحترام، والانضباط الصارم، وتركز بشكل كبير على نقل المعرفة والمهارات من جيل إلى جيل، وغالبًا ما كانت تتم داخل الأسرة أو المجتمع المحلي، حيث كان الجد والجدة، والأسرة بشكل عام يلعبون دورًا محوريًا في تربية الأبناء.
في حارة الرمل وكغيرها من الحارات العمانية القديمة، لم تكن تربية الأبناء مسؤولية الأسرة وحدها، بل كانت نموذجًا اجتماعيًا متكاملًا يقوم على التكاتف والتعاون بين جميع أفراد المجتمع. كان الطفل ينشأ في بيئة لا تكتفي بمراقبة سلوكه، بل تشاركه تفاصيل يومه، وتوجهه، وتدعمه، وتقومه عند الحاجة، وكأن الحارة كلها أسرة واحدة كبيرة، تختلف بيوتها لكن تتوحد قلوبها في تربية الجيل الجديد.
في تلك البيئة، كان الطفل يشعر منذ سنواته الأولى أن خطواته ليست خفية، وأن تصرفاته محطّ اهتمام الجميع، ليس بمعنى التدخل المزعج، بل بروح المحبة والمسؤولية. فإذا أخطأ، لم يُقابل بخوف أو قسوة، بل بنصيحة لطيفة من جارٍ يعرفه منذ ولادته، أو بابتسامة حانية من كبير في السن يملك خبرة الحياة. وإذا أحسن، وجد التشجيع من الجميع، وكأن نجاحه إنجاز للحارة كلها، لا لأسرته وحدها.
هذا النمط من التربية كان يخلق نوعًا فريدًا من الانضباط الداخلي لدى الأطفال، فهم لا يتصرفون بناءً على رقابة الأهل فقط، بل على وعي بأن المجتمع كله يراقبهم بعين المحبة والتوجيه. وهكذا، كانت القيم الأخلاقية تُزرع في النفوس بشكل طبيعي ومتدرج، من خلال الممارسة اليومية، لا من خلال التلقين النظري فقط. احترام الكبير، مساعدة الصغير، الصدق في التعامل، والأمانة في القول والعمل، كلها كانت سلوكيات تُكتسب من خلال الاحتكاك المباشر بالناس في الحارة.
ولم تكن هذه المنظومة تقوم على التسلط أو فرض السيطرة، بل على الاحترام المتبادل. فالجيران لم يكونوا يتدخلون بدافع الفضول أو الرقابة، بل بدافع الشعور بالمسؤولية المشتركة. كان هناك اتفاق غير مكتوب بأن تربية الطفل مسؤولية الجميع، وأن أي خلل في سلوكه هو خلل في المجتمع بأكمله، وليس في أسرته فقط. لذلك، كانت النصيحة تُقدَّم بلطف، والتوجيه يتم بحكمة، والهدف دائمًا هو الإصلاح لا الإحراج.
كما أن هذه البيئة ساعدت على بناء شخصيات متوازنة قادرة على التفاعل الاجتماعي بثقة. فالطفل الذي ينشأ وسط هذا النوع من الدعم المجتمعي يتعلم مهارات التواصل منذ الصغر، ويكتسب القدرة على احترام الاختلاف، وفهم مشاعر الآخرين، والتعامل مع المواقف المختلفة بمرونة. لقد كانت الحارة بمثابة مدرسة مفتوحة، لا جدران لها، ولا جداول دراسية ثابتة، بل حياة يومية مليئة بالدروس غير المباشرة.
ومع مرور الوقت، كانت هذه التجربة تخلق روابط إنسانية قوية بين سكان الحارة. فالعلاقة بين الجيران لم تكن علاقة مجاورة فقط، بل علاقة مشاركة في الحياة اليومية، في الأفراح والأحزان، وكان الأطفال يرون في كل كبير في الحارة نموذجًا يُحتذى، وفي كل بيت امتدادًا لبيتهم، مما يعزز شعور الانتماء لديهم.
لقد ساهم هذا النمط من التربية المجتمعية في تقليل الكثير من المشكلات السلوكية التي قد تظهر في البيئات الفردية المنعزلة. فحين يشعر الطفل أنه جزء من نسيج اجتماعي متماسك، يصبح أكثر التزامًا بالقيم، وأكثر إدراكًا لنتائج أفعاله. كما أنه ينشأ على فكرة أن الحرية لا تعني الفوضى، بل تعني المسؤولية.
لكن مع تغيّر الزمن وتبدّل أنماط الحياة، بدأت هذه الصورة الجميلة تتراجع تدريجيًا. أصبح كل بيت يعيش في دائرة مغلقة، وبدأت الخصوصية تُفهم بشكل أوسع حتى وصلت أحيانًا إلى العزلة. ومع ذلك، تبقى تجربة حارة الرمل مثالًا ملهمًا يمكن استحضاره عند الحديث عن التربية المجتمعية وأهمية دور البيئة في تشكيل شخصية الإنسان.
إن إعادة إحياء هذا المفهوم لا تعني إلغاء خصوصية الأسرة، بل تعني تعزيز التكامل بين الأسرة والمجتمع، بحيث لا تكون التربية عبئًا فرديًا، بل مشروعًا إنسانيًا مشتركًا. فالأطفال اليوم، كما بالأمس، يحتاجون إلى بيئة داعمة تُشعرهم بأنهم جزء من مجتمع يهتم بهم، يوجههم، ويؤمن بهم.
وهكذا، تظل حارة الرمل رمزًا لفكرة بسيطة وعميقة في آن واحد: أن الإنسان لا يُبنى في عزلة، بل في حضن مجتمع يتشارك المسؤولية، ويؤمن بأن بناء الأجيال ليس مهمة بيت واحد، بل رسالة حارة بأكملها.
وعلى الخير نلتقي وبالوفاء نرتقي …









