
حين يكون العمل عامًا .. يصبح النقد أمانة..
الدكتور ماهر آل سـيف – السـعـودية
من حق الإنسان أن يختار نمط حياته ما دام أثر اختياره لا يتجاوز حدود بيته وقلبه ووقته؛ فمن عاش منفردًا، أو آثر الهدوء على الظهور، أو اختار طريقًا لا يضر غيره، فليس من الذوق ولا من العدل أن نجعل حياته ساحةً للتفتيش والتقريع. فالخصوصيات حمى، والناس ليسوا نسخًا مكررة، ولكل روح بابها ومزاجها ومسارها.
لكن الأمر يختلف حين يتقدم الإنسان إلى العمل الاجتماعي، ويدخل مجلس جمعية، أو مؤسسة أهلية، أو كيانًا خيريًا؛ فهنا لم يعد الأداء شأنًا شخصيًا خالصًا، بل صار أمانة عامة، وقرارًا يمس المستفيدين، والمتبرعين، والسمعة، والمال، والثقة. ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾، وقال سبحانه: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾؛ والتعاون لا يكتمل بالمديح وحده، بل بالنصح حين يلزم، والتصحيح حين يجب.
إن النقد هنا لا يطعن في كيان المؤسسة؛ فالكيان باقٍ برسالته ونظامه، وإنما يراجع أداء الأشخاص. نشكر من أحسن، وننصح من قصّر، ونحاسب من فرّط، وقد يبلغ الأمر الإعفاء أو الإقالة إذا تحولت المسؤولية إلى عبء، والمنصب إلى وجاهة، والعمل إلى مجاملة. وقد قال النبي ﷺ: «الدين النصيحة»، ومن جميل ما يُنسب للإمام علي عليه السلام: «رحم الله امرأً أهدى إليَّ عيوبي»؛ فالنقد الرفيق هدية، لا رمية.
والواقع يؤكد أن الرقابة ليست ترفًا؛ فقد أعلن المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي في السعودية عن عزل مجلس إدارة جمعية أهلية، وإلغاء ترخيص ثلاث جمعيات، والتعامل مع 97 بلاغًا لمخالفات جمع التبرعات، وعقد 89 جلسة تحقيق وسماع أقوال، وإحالة 28 كيانًا للجهات المختصة لمخالفة الأنظمة واللوائح. كما يقرر المركز أن حل الجمعية قد يكون بسبب عدم قيامها بمهامها أو ارتكابها مخالفات جسيمة.
إن السكوت أحيانًا يحفظ الود، لكنه قد يقتل المؤسسة؛ والمجاملة قد تُرضي الأشخاص، لكنها تُتعب الرسالة. وكل مؤسسة لا تقبل المراقبة والمحاسبة، لا تمشي إلى التطوير، بل تمشي ـ ولو مبتسمة ـ إلى الفشل.








