بأقلام الكُتّابمقالات وآراء

بناء الإنسان أولا…

عبدالله الشكيري 

 

في خضم التوسع الكبير الذي تشهده أكاديميات كرة القدم في السنوات الأخيرة، أصبح من المهم أن نتوقف أمام سؤال جوهري: هل رسالتنا الحقيقية هي الاستثمار في اللعبة فقط، أم الاستثمار في الإنسان قبل اللاعب؟.

لا شك أن عمل الأكاديميات الرياضية اليوم بات يحمل جانبًا اقتصاديًا مهمًا، فالتسويق الرياضي، وتنظيم البطولات، واستقطاب المواهب، كلها عناصر تسهم في استدامة الأكاديميات وتطورها، وهذا أمر إيجابي ومطلوب، ولكن الإشكالية الحقيقية تبدأ عندما يتحول الهدف من “صناعة الإنسان” إلى مجرد “تحقيق المكاسب”، فيصبح التركيز منصبًا على النتائج السريعة، والانتصارات المؤقتة، والمظاهر الإعلامية، بينما يتم إغفال الأساس الأهم في تكوين الناشئين.

فالناشئ ليس مشروع لاعب فقط، بل مشروع إنسان يحمل مستقبلاً ومسؤولية ودورًا في مجتمعه ووطنه.ومن هنا فإن مسؤولية المدرب تتجاوز حدود الملعب، لأن تأثيره لا يقف عند تعليم التمرير والتسديد والتحرك التكتيكي، بل يمتد إلى بناء الفكر، وترسيخ القيم، وصناعة الشخصية.

إن الاكتفاء بتكوين اللاعب من الجانب الفني والبدني فقط، مع إهمال الجوانب الذهنية والإنسانية والأخلاقية، قد يصنع لاعبًا جيدًا داخل الملعب، لكنه قد يعجز عن مواجهة ضغوط الحياة خارج الملعب. وحين يفتقد اللاعب الوعي والانضباط وتحمل المسؤولية، يصبح أكثر هشاشة أمام التحديات، وأكثر اعتمادًا على الآخرين في اتخاذ قراراته، بدلاً من أن يمتلك القدرة على التفكير السليم والتصرف الواعي. ولهذا فإن المدرب الحقيقي لا يقاس فقط بعدد البطولات التي حققها، بل بعدد الشخصيات التي ساهم في بنائها. فاللاعب الواعي ذهنيًا، والمنضبط سلوكيًا، والمتمسك بدينه وعاداته وتقاليده، هو القادر على الاستمرار والنجاح على المدى البعيد، سواء داخل المجال الرياضي أو خارجه.

عزيزي المدرب…
اجعل هدفك الأول صناعة الإنسان قبل اللاعب.
ازرع الثقة قبل المهارة،
وابنِ العقل قبل الجسد،
وعزز قيمة الانتماء قبل البحث عن الشهرة.

اعمل على تطوير اللاعب فنيًا وبدنيًا، لكن بالتوازي مع بناء شخصيته، وتنمية وعيه، وتعليمه معنى الالتزام والمسؤولية واحترام الذات والآخرين. عندها فقط لن تكون قد صنعت لاعب كرة قدم فحسب، بل صنعت إنسانًا نافعًا لأسرته، معتزًا بهويته، واعيًا برسالته، وقادرًا مستقبلًا على أن يكون نموذجًا مشرفًا لوطنه… ونجماً حقيقيًا في عالم الإحتراف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى