
رؤية شخصية في ذاكرة المكان (11) .. الصنّاع وذاكرة الطين في حارة الرمل
الكاتب أ. عصام بن محمود الرئيسي
مؤلف أعمال متخصصة في المراسم والسلوك الراقي
في حارة الرمل كما في بقية الحارات العمانية القديمة الرائعة ، لم يكن البناء مجرد عملية هندسية تُقاس بالمتر والزاوية والمستوى، بل كان طقسًا اجتماعيًا كاملًا تتداخل فيه اليد بالروح، والطين بالذاكرة، والجهد بالبركة. كانت البيوت تُولد كما تُولد الحكايات: ببطء، وبمشاركة الجميع، وبإحساس عميق أن الجدار ليس ملكًا لمن بناه وحده، بل جزء من ذاكرة الحارة كلها.
كان “الصنّاع” هم القلب النابض لهذه العملية. رجال خبروا الطين كما يُخبر الشاعر كلماته، يعرفون متى يكون صالحًا للتشكيل، ومتى يحتاج إلى ماء، ومتى يشتد ليصبح جدارًا صامدًا في وجه الشمس والريح. لم تكن أدواتهم كثيرة، لكنها كانت كافية لصنع عالم كامل: «المنحاز» (لخلط الطين)، و«المرزبة» و«المنقاش» (لتكسير الحجارة)، بالإضافة إلى «الزنبيل» لنقل المواد. وقوالب خشبية، وأيدٍ لا تعرف الكلل. ومع كل ضربة طين، كان هناك إيقاع خفي يشبه أغنية قديمة لا تُسمع بالأذن فقط، بل تُحس في الصدر.
في تلك الأيام، كان بناء البيت الطيني يبدأ من الأرض نفسها، كأن الحارة تُعيد تقديم نفسها لنفسها من جديد. تُخلط التربة بالماء والتبن، وتُترك لتختمر كما تُترك العجينة في يد خباز قديم. ثم تبدأ رحلة البناء طبقة فوق طبقة، جدارًا بعد جدار، حتى ينهض البيت ككائن حي يطل على الأزقة الضيقة بنوافذه الصغيرة وابتسامته الخجولة.
لكن الأجمل من البناء نفسه كان ما يحيط به من روح الجماعة. لم يكن “الصنّاع” غرباء عن أهل الحارة او من دول أخرى كما هو الحال الان ، بل كانوا جزءًا منها، يعرفون أسماء البيوت وأصحابها، ويعرفهم الجميع كأنهم أقارب. وعندما يحل وقت العمل، لا يُنظر إليهم كأجراء فقط، بل كضيوف واهل كرام في مشروع مشترك، يُشارك فيه الجميع ولو بكلمة طيبة أو دعاء صادق.
تحت شمس حارة الرمل الحارقة، كان المشهد يتكرر يوميًا: رجال يعملون بعرقهم، وأصوات أدوات البناء تمتزج بنداءات الأطفال وحديث العابرين. وفي المقابل، لا يترك أهل البيت هؤلاء الرجال وحدهم مع التعب. كانت النساء يجهزن الطعام في “المواعين” الكبيرة، ويُرسلن الماء البارد في الأواني الفخارية (الجحال)، وكأنما تُروى الأرواح قبل الأجساد.
وحين يحين وقت الغداء، يتوقف كل شيء. تُفرش الأرض ببراءة، وتُوضع الصحون الكبيرة في منتصف الدائرة، فيلتف حولها الصنّاع وأهل البيت، يتقاسمون الطعام بلا تكلّف. لا أحد يسأل: “هذا لي أو لك”، فكل لقمة كانت مشتركة، وكل ابتسامة كانت امتدادًا لروح الحارة نفسها. كان الطعام بسيطًا في مكوناته، لكنه غني بالمعنى؛ خبز طازج، أرز، مرق، وربما شيء من اللبن أو التمر ودلة القهوة الحاضرة دوما ، لكنه في تلك اللحظة كان وليمة كرامة لا تُنسى.
لم تكن العلاقة بين الصنّاع وأهل الحارة قائمة على الأجرة وحدها، بل على ما هو أعمق: النخوة. تلك الكلمة التي كانت تُفهم دون شرح، وتُمارس دون إعلان. فإذا مرض أحدهم، سُئل عنه الجميع، وإذا تعثر البناء، وقفوا جميعًا لإكماله، وكأن البيت لا يكتمل إلا بهم جميعًا معًا.
لقد كان نمط البناء في حارة الرمل كسائر الحارات العمانية يعتمد على مواد محلية بسيطة مستخرجة من البيئة المحيطة، وعلى خبرات حرفية متوارثة عبر الأجيال. وتمثل نموذجًا معماريًا عُمانيًا أصيلًا يعكس قدرة الإنسان على التكيف مع البيئة الصحراوية والجبلية والساحلية، حيث كانت البساطة والوظيفية والانسجام مع المناخ هي الأساس في جميع تفاصيل البناء والتقسيم الداخلي.
اعتمدت عملية البناء بشكل رئيسي على التربة الطينية الرمل والماء والحجارة، والطين (المدر)، خشب الساج، وسعف النخيل في تشييد البيوت وإضافة التبن (قش القمح أو الشعير) يمنح الطين قوة أكبر ويعمل كألياف طبيعية داخل المادة سواء على شكل طوب طيني (الطفال) أو على شكل كتل طينية تُستخدم في تثبيت الجدران. وكان الطين يُحضَّر بعناية لزيادة التماسك وتقليل التشققات، وهو عنصر أساسي في البناء.
أما الأساسات فكانت تُبنى من الحجارة الطبيعية لضمان المتانة ومقاومة الرطوبة، بينما استخدم، خشب الساج، وسعف النخيل وجذوعها في إنشاء الأسقف، مع حبال الليف لربط العناصر الإنشائية ببعضها. كما كانت تُضاف طبقات من الطين أو الجص لعزل الأسطح والجدران وحمايتها من عوامل الطقس.
داخل هذه البيوت، كانت المساحات تُقسم بطريقة وظيفية بسيطة تعكس نمط الحياة الاجتماعي العُماني التقليدي. فهناك “المجلس” الذي يُعد أهم غرفة في البيت ويُخصص لاستقبال الضيوف، ويكون غالبًا في مقدمة المنزل ويُفرش بالسجاد (الزوالي) والمساند. وفي قلب البيت يوجد “الحوش”، وهو فناء داخلي مفتوح يشكل محور الحركة اليومية، حيث تُمارس فيه بعض الأعمال المنزلية مثل الطبخ وتجفيف التمور ولعب الأطفال، ويربط بين مختلف أجزاء البيت.
بهذا الشكل، يعكس البيت التقليدي في حارات عمّان القديمة، ومنها حارة الرمل، نموذجًا معماريًا واجتماعيًا متكاملًا يقوم على البساطة والوظيفة والتكيف مع البيئة. في حياة يومية متوازنة ومنسجمة مع المكان والزمان.
اليوم، قد تتغير مواد البناء، وتصبح الخرسانة بديلاً عن الطين، والآلات بديلة عن الأيدي، لكن ذكرى ذلك الزمن في حارة الرمل وغيرها من الحارات العمانية القديمة تبقى حيّة، كأنها تقول إن البيوت الحقيقية لا تُبنى فقط بالحجارة، بل تُبنى بالناس، وبما يتركونه من محبة في التفاصيل الصغيرة التي لا تُرى، لكنها لا تُنسى.
وعلى الخير نلتقي وبالوفاء نرتقي








