
مناهج التعليم العربي.. فوارق عقلية وأزمات امتثالية!
د. نرجس البزال
في صباحٍ جميل تودّع أمّ ابنها في طريقه للمدرسة يارب نجحه وخليه ( طبيب.. مدرس.. استلذ ..مهندس قد الدنيا .. ثم تهمس باذن ابنها موصية ومحذرة :
(بدّي علامات عالية اليوم).
في الظهيرة، تستقبله بالسؤال نفسه:
:(قدّيش جبت) ؟.
نادراً ما يُسأل: ماذا فهمت؟ ماذا أحببت؟ ما الذي حيّرك؟
ومن هذا التكرار اليومي، يبدأ خلل كبير. الكل يبحث عن النجاح والشهادة ليس كوثيقة تعلم وتقييم فهم بل جواز مرور للتعيين مهما كبرت وصغرت هي مجرد وظيفة تاسر وتقيد الانسان طوال حياته لكنها لا تدعوه لتطوير سبل تفكيره والارتقاء بها..
التعليم لم يعد تفصيلًا إداريًا، ولا مرحلة عابرة نحو الشهادة.
إنه القرار الأخطر الذي تتخذه أي أمة:
أيّ إنسان تريد أن تصنع؟
لكن في جزء واسع من عالمنا العربي، الجواب مقلق.
نحن لا نبني إنسانًا، بل نكدّس معلومات. نقيس النجاح بما يُحفظ، لا بما يُفهم، ونكافئ الإجابة أكثر مما نكافئ السؤال.
في الصف، يتكرر المشهد نفسه:
معلّم يطلب: “اكتبوا كما في الكتاب”. طالب يمحو فكرة لأنه خاف أن تكون خارج المنهج المقرر نحن نستنسخ عقول معلمينا الذين نتجوا من السياقات وتخرجوا من ذات المدرسة .
دفترٌ مليء بالإجابات الصحيحة، وخالٍ من أي أثر لعقل حي.
هنا تبدأ المشكلة.
حين تتحول المدرسة إلى معمل امتحانات، تفقد المعرفة معناها. تخرج طلاب تعيين لا قادة فكر وتواق حياة..
حتى تصبح عبئًا، لا نافذة.
يتعلم الطالب كيف يجيب، لا كيف يسأل،
كيف يسترجع، لا كيف يختار.
فنُخرّج، في النهاية، أفرادًا بارعين في الامتثال لا نجيد اي من فنون وانواع التفكير..
لهذا، لا تبدو المفارقة غريبة:
طلاب ينجحون داخل المدرسة، ويتعثرون خارجها.
متفوق يحمل أعلى الدرجات،
يقف مرتبكًا في أول مقابلة عمل،
أو عاجزًا عن الدفاع عن رأي،
أو خائفًا من اتخاذ قرار.
المشكلة ليست في الذكاء.
لقد تعلّم كيف يتجنب الخطأ،
لا كيف يقترب من الحقيقة.
في المقابل، العالم لا يسأل عمّا تحفظه، بل عمّا تستطيع أن تفعله بما تعرفه. المهن تتبدل، والمعارف تتجدد، والتعلم المستمر صار أثمن من أي مخزون جامد. ومع ذلك، ما زلنا نعلّم أبناءنا من اجل الوظيفة اقصى طموحنا بذلة وسيارة ومكتب وشقة واعادة تدوير اسرة لا تختلف عن عقلية الفلاح البسيط الا بالزخرف.. كأن المستقبل نسخة أطول من ورقة امتحان. الخلل لا يقف عند العمل فقط. نحن لا نخسر كفاءات، بل نخسر الإنسان.
ما قيمة طالب يحفظ تعريفات، لكنه لا يعرف كيف يحاور؟
وما جدوى متفوق، إذا كان خائفًا من الخطأ أو عاجزًا عن التفكير؟
المشكلة ليست نقص معلومات، بل غياب تكوين. لهذا، لا يكفي أن نغيّر كتابًا أو نخفف منهجًا أو نزيد حصصًا. المطلوب أعمق: إعادة تعريف التعليم نفسه. البحث عن الغاية والهدف الاسمى لطلب العلم.. فالعمل هو العمل سواء تاجر او طبيب او ضابط.. في المجتمع المادي يكون ما في الجيب معيارا لمقتنيات لا قيمة ولا وزن لها مقابل العلم والوعي والهدفية الاسمى والارقى..
نحتاج إلى تعليم:
يُعلّم السؤال قبل الجواب،
والتفكير قبل الحفظ،
والخطأ قبل الكمال.
مدرسة تعلّم النقاش، وتهدي عمن سواه.. تبني الموقف،
وتمنح الطالب شجاعة أن يقول:
لا أعرف، لكنني أريد أن أفهم.
لأن الطالب ليس عقلًا فقط،
بل إنسان يخاف ويتردد ويبحث عن معنى.
والتعليم الذي لا يفهم الإنسان،
لا يستطيع أن يبنيه.
الأمم لا تسقط فقط حين تضعف مواردها، بل حين تُسيء تكوين عقولها. ولا تنهض بعدد مدارسها،
بل بما يحدث داخلها.
السؤال ليس كم طالبًا في الصف،
بل كم إنسانًا يتكوّن فيه.
نحن اليوم ننجّح أبناءنا في الامتحانات، نرفع معدلاتهم،
ونصفّق لأرقامهم، ونبارك تعيينهم.. ثم نتركهم وحدهم أمام العالم، يكتشفوا متأخرين،
أنهم نجحوا في كل شيء،
إلّا الحياة.








